فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٤١٤
أنّه رشّ أربعين قبرا حتّى لا يبين قبرها من غيره من القبور فيصلّون عليه.
و مثل هذا لا يفعل بمن ترضى بأفعاله، و لا كانت (عليها السلام) تفعل مثل هذا بمن هو مصيب في فعله، و ليس لأحد أن ينكر ما قلناه، لأنّ الروايات بذلك أكثر من أن تحصى، و القصّة أشهر من أن تخفى ...
فإن قالوا: دفنها ليلا- إن صحّ- ليس بطعن، لأنّه قد دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ليلا، و دفن عمر ليلا ابنه، و قد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يدفنون بالليل كما يدفنون بالنهار، فليس في هذا طعن، بل الأقرب في النساء أنّ دفنهنّ ليلا أستر لهنّ.
قيل لهم: لم يجعل الدفن ليلا بمجرّده طعنا، بل وصيّتها بذلك و غضبها عليهم و أنّهما استأذنا عليها ليعوداها فلم تأذن لهما حتّى سألا عليّا (عليه السلام) [١] فشفع إليها، فأذنت، فلمّا دخلا أعرضت بوجهها إلى الحائط
[١]- قال ابن قتيبة الدينوريّ المتوفي ٢٧٦: فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها. فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّا فكلّماه فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها فلم تردّ (عليهما السلام)، فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول اللّه، و اللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي، و إنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، و لوددت يوم مات أبوك أنّي متّ و لا أبقى بعده، أ فتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنعك حقّك و ميراثك من رسول اللّه، إلّا أنّي سمعت أباك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة»، فقالت: أ رأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تعرفانه و تفعلان به؟ قالا: نعم، فقالت: نشدتكما اللّه أ لم تسمعا رسول اللّه يقول: «رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني»؟ قالا: نعم، سمعناه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قالت: فإنّي أشهد اللّه و ملائكته أنّكما أسخطتماني و ما أرضيتماني، و لئن لقيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأشكونّكما إليه. فقال أبو بكر: أنا عائذ باللّه تعالى من سخطه و سخطك يا فاطمة. ثمّ انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق، و هي تقول: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك في كلّ صلاة اصلّيها ... فلم يبايع عليّ كرّم اللّه وجهه حتّى ماتت فاطمة رضي اللّه عنهما، و لم تمكث بعد أبيها إلّا خمسا و سبعين ليلة. (الإمامة و السّياسة ج ١، ص ١٣).