شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٨٥ - «الشرح»
..........
كثيرة [١] بعضها فوق بعض إلى أن يبلغ أعلاها و هو مقام الفناء في اللّه و لا ريب في أنّ
[١] «و أيضا للسالك مقامات كثيرة» زعم بعض الناس أن الدين عبارة عن العمل بظواهر الشرائع من العبادات و المعاملات و السياسات على ما يثبت في الفقه بان يكون صحيحا فان عمل بالواجب و ترك المحرم فقد بلغ أعلى مراتب السعادة و ليس وراء ذلك شيء و على هذا فلا يعقل أن يكون للسالك مقامات كثيرة لانه ان لم يعمل بالظواهر فهو فاسق و ان عمل فهو مرتبة واحدة يشترك فيها الجميع و ترقى بعضهم حتى نظر فى النية و جعل اختلاف الناس في العمل بنيه التنعم بالجنة أو الخوف من النار أو استحقاق اللّه تعالى العبادة موجبا لاختلافهم في درجات السعادة الاخروية، و بعضهم ترقى عن ذلك أيضا و جعل ما ورد في الاحاديث من مكارم الاخلاق أيضا من المؤثرات في سعادة الانسان في الجملة لكن لا بحيث يوجب التخلق بمساويها عذابا في الآخرة و بعدا عن اللّه تعالى بل جعلوا الاخلاقيات أنزل في الرتبة من المستحبات الفقهية أيضا مثلا المضمضة و الاستنشاق و غسل اليد قبل الطعام مؤثرة في الوصول الى درجات النعيم و لا يضر الحقد و الحسد و حب الدنيا و الجاه شيئا اذا لم يظهر منهم عمل منهى عنه في الفقه، و أفرط جماعة في مقابلة هؤلاء و قالوا يكفى التخلق بمكارم الاخلاق و لا يؤثر في سعادة الآخرة هذه الاعمال الظاهرة أصلا و ربما يتركون الشرائع و الاحكام بزعم أنها وضعت لتدبير السياسة الدنيوية و لا يبقى منه أثر في الآخرة أو هى آداب لحفظ صحة الابدان كالسواك و غسل اليد و لا تأثير لها في تهذيب النفوس. و المذهب الحق متابعة ما ورد في الشرع سواء سمى فقها أو أخلاقا، فروعا أو اصولا، و يجب الجمع بين جميع الاوامر و ترك جميع النواهى سواء تعلق بعمل الجوارح الظاهرة أو القلب و النفس و ان كان عمل الجوارح الظاهرة مشتركا بين جميع الناس و يفهمه كلهم و يستطيع امتثاله بخلاف العقائد و الاخلاق فالناس مختلفون فيها جدا و السلوك فيها عبارة عن التدرج فى مراتبها. ثم ان تأثير الاعمال و الاخلاق من جهة الاعداد و تهيئة قلب الانسان بصفائه و توجهه الى الغيب لنزول بركات لا يدركها إلا من نالها لا لأنّ نفس الاعمال و مكارم الاخلاق امور مقصودة لذاتها بل لانها أسباب لكمال اخر مقصود بذاته يبقى مع النفس بعد المفارقة عن البدن و معنى تجسم الاعمال او الملكات ذلك فالحسد مثلا أو الغضب أو حب الدنيا ملكات خبيثة بدنية و البدن آلة لوجودها بتأثر من الاوهام و الشهوات البدنية فاذا زالت لم يبق علة لوجود الحسد و امثالها لكنها ما دامت في الدنيا مصاحبة لقلب الانسان منعت من التوجه الى الغيب و أن يترقى الى أن يعرف اللّه و يتحقق بمعرفته و بعبارة أوفق بالاصطلاح أن يفنى في اللّه و لا يتوجه الى غيره بل يرى أنه ليس شيء غيره. (ش)