شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٧٥ - «الشرح»
..........
و التنزّه عن صفاتهم و لمّا كان الوهم يتسارع إلى أنّ ما استعلى على الشيء كان فوقه إمّا بتباعد و تراخي مسافة بينهما كالفلك التاسع بالنسبة إلى الأرض أو بمماسّة و التصاق بلا تراخي مسافة كالماء بالنسبة إليها أشار إلى دفع ذلك تأكيدا لردّ الأحكام الوهميّة بقوله
(بلا تباعد منهم و لا ملامسة منه لهم)
(١) لأنّ علوّه تعالى ليس علوّا مكانيّا بل علوّا معنويّا كما ذكرناه، و التباعد و التماس إنّما يكونان في العلوّ المكاني فهذا قرينة لحمل التعالي على غير ما يتناوله الوهم
(ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه)
(٢) لأنّ حدّ الشيء في اللّغة منتهاه كحدّ الدّار و نحوها و في العرف ما يشرح حقيقة ذاته و ماله من كمال صفاته و ليس له تعالى شيء منهما، أمّا الأوّل فلأنّه من لواحق الامتداد و ليس له سبحانه طبيعة امتداديّة و أمّا الثاني فلأنّه مؤلّف من كثرة معتبرة في الحدود و هو سبحانه منزّه عن الكثرة من جميع الوجوه
(و لا له مثل فيعرف بمثله)
(٣) لتقدّسه عن المماثل و فيه تنزيه له عن التشبيه و التنظير، و لعلّ السرّ في إيراد الفاء هنا دون السابق هو الإشعار بأنّ المثل منفي عنه على الاطلاق دون الحدّ فإن له حدّا بمعنى تميّزه عن غيره بوصفه بما يليق به و عدم وصفه بما يليق بخلقه إلّا أنّ جواز إطلاق الحدّ على ذلك محلّ كلام
(ذلّ من تجبّر غيره و صغر من تكبّر دونه)
(٤) غيره و دونه حالان عن فاعل تجبّر و تكبّر و الضمير فيهما عائد إليه سبحانه يعني كلّ من تجبّر و تكبّر غير اللّه تعالى على خلقه بشيء ما مثل النسب و الحسب و الجاه و المال و حسن الهيئة و الجمال أولا بشيء فهو ذليل صغير حقير عنده تعالى و عند الصالحين من عباده بل عند الفاسقين أيضا في الدّنيا و الآخرة لأنّ العظمة و الكبرياء من أخصّ صفاته تعالى و من نازعه في صفاته فهو بزعمه شريك له و لا شيء أذلّ و أصغر ممّن يدّعي أنّه شريك الباري
(و تواضعت الأشياء لعظمته)
(٥) لأنّ كلّ شيء من الموجودات و كلّ ذرّة من الممكنات متواضع لديه موضوع على بساط العجز و الافتقار بين يديه و ما ذلك إلّا لملاحظة عظمته المطلقة الّتي عجزت العقول عن الإحاطة بها، و من أنكرها بقلبه و لسانه فمع تواضع ساير جوارحه و أركانه يتواضع بهما عند نزول المصائب و ظهور الموت