شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٦٧ - «الشرح»
..........
و الخفيّات، و يحتمل أن يكون المراد أنّه باطن خفي داخل في جملة خفيّات الامور و لمّا كانت بواطنها أخفى من ظواهرها كان المفهوم من كونه بطن منها أنّه أخفي منها عند العقول و غيرها من القوى المدركة، و ذلك لأنّ الإدراك إمّا حسّى و إمّا عقلي و لمّا كان عزّ و جلّ مقدّسا عن الجسميّة منزّها عن الوضع و الجهة استحال أن يدركه شيء من الحواسّ الظاهرة و الباطنة، و لمّا كان ذاته بريئة عن أنحاء التركيب استحال أن يكون للعقل اطّلاع عليها بالكنه فخفاؤه إذن على جميع الإدراكات و المدركات ظاهر و كونه أخفى الامور الخفيّة واضح
(و ظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير)
(١) إذ بآيات قدرته و تدبيره و علامات صنعته و تقديره تجلّت ذاته في عقول العارفين [١] و ظهرت صفاته
[١] قوله «تجلت ذاته فى عقول العارفين» أكثر العلوم الحاصلة للانسان مبدئها الانتقال الدفعى من ملاحظة مقدمات حصلت بغير اختيار و يسميها المنطقيون الحدس و هو يفيد اليقين و ليس مرادفا للظن و التخمين كما فى اصطلاح الناس و مثاله المعروف نور القمر مستفاد من الشمس اذ راوا ارتباطا دائما بين اختلاف تشكلات القمر و وضعه من الشمس قالوا ان نوره منها و أمثلة ذلك فى الهيئة و ساير العلوم كثيرة و ربما يسمى أصحاب هذا الحدس القوى اهل زماننا عبقريا و فى الفارسى الدارج نابغة و ظاهر ان معرفة الناس باللّه المدبر الحكيم لم يكن خارجا من القاعدة الكلية فى استنباط سائر أسرار الكون ففى زمان قديم لا نعلم تاريخه تنبه رجل عبقرى لان الارض كرة و لا نعلم اسم ذلك الرجل و بيئته و لا زمانه كذلك تنبه من طريق العقل رجل لا نعلم اسمه و ساير مشخصاته أن مبدأ هذا العالم فاعل حكيم عالم فعل ما فعل لغاية. أما من جهة تعليم الأنبياء و الالهام فاول من علم التوحيد آدم ابو البشر و ليس هو مراد أمير المؤمنين (ع) فى هذا الموضع بل مراده الظهور فى العقول من ملاحظة علامات التدبير و طريق تنبه العقل ما ذكره (ع) فان الانسان لما نظر فى الآفاق و فى نفسه خصوصا بعد معرفة شيء من التشريح و الطب تنبه لان صانعه ليس موجودا غير شاعر كما يتنبه من صنايع يد الانسان و اتقان فعله مهارة صانعه و ما يقال من أن اوّل من عرف اللّه تعالى بالعقل هو سقراط الحكيم أو انكساغوراس أو غيره فانما عنى فى اليونانيين و فلا سفتهم و ما فى توحيد المفضل عن الصادق (ع) أن أرسطوطاليس هو الّذي بين خطأ من تقدمه من نفى العمد و التدبير فمراده (ع) أن هذا الحكيم اوّل من بينه ببيان علمى استدلالى ظهر الحق بقوله و نسخ قول الطبيعيين نسخا بينا أوجب اعراض العقلاء عنهم، و أما أصل تنبه الانسان لوجود الحق تعالى كان سابقا فى الامم البتة و ان لم يبينوه كما بين أرسطوطاليس. و أما جماعة من العوام و حمقاء الافرنج و اصحاب الحرف و الصناعات منهم فقد توهموا أن الانسان انما ينسب الامور الى اللّه تعالى و تدبيره لانه جاهل بالاسباب الطبيعية و لما عرف تلك الاسباب عرف استغناء العالم عن اللّه- نعوذ باللّه- مثلا ما لم يعلم أن لنمو النبات و تكون الجنين فى الرحم و نزول المطر و هبوب الرياح و غير ذلك أسبابا نسبها الى فعل اللّه و لما علم أن المطر بصعود الرطوبات الى الجو البارد و تبدل البخار و كذلك ساير الاسباب أنكر أن يكون للّه تعالى تأثير فالاعتراف و الايمان باللّه تعالى عندهم من الجهل، و الالحاد و الكفر من العلم، و قد رأيت كتابا لرجل منهم يسمى باغوست كنت، طول الكلام فى ذلك و أتى بأمور تخالف الحس و ما نعلم من التاريخ. و نقل عن بعض ملاحدة شعراء العرب حاصل ما فى ذلك الكتاب:
اثنان فى الدنيا فذو عقل بلا * * * دين و آخر دين لا عقل له
و انما قلنا انه مخالف للحس و التاريخ لانا نرى الجهل بالامور الغيبية مقدما على العلم بها فى التاريخ كما أن جهل الناس بكروية الارض كان قبل علمهم، و جهلهم بالتشريح و خواص الادوية قبل علمهم، و جهلهم بعلة الخسوف و الكسوف و أسبابهما قبل علمهم كذلك كان جهلهم بمبدإ حكيم، قادر لا يرى قبل علمهم به، و نعلم ان ارسطوطاليس و انكساغوراس و غيرهما كانوا اعلم الناس جميعا بالامور الطبيعية و كانوا عالمين بان نزول المطر من استحالة البخار الصاعد من الارض كما نص أرسطو فى كتابه عليه و على ساير الامور الطبيعية و مع ذلك اعترف بوجود المبدأ الحكيم و بقاء النفس، و بالجملة الحق ما ذكره أمير المؤمنين (ع) من أن معرفة اللّه تعالى بالنظر و التفكر انما حصل للانسان بعد تأمله فى خلقه لا ما يقوله هذه الجهال ان اعترافهم بالمبدإ كان قبل التفكر و النظر و التأمل .. (ش)