شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٦٤ - «الشرح»
..........
كلّما تأمّلها الإنسان و أجال فيه البصر يجد من كمال قدرته و آثار حكمته فوق ما وجده في بادي النظر
(لأنّه كلّ يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن)
(١) الشأن الأمر و الحال و هو سبحانه فى كلّ زمان من الأزمان يحدث في عالم الإمكان على وفق الحكمة و القضاء الأزلي ما هو محلّ العجب العجيب الّذي يحار فيه أبصار البصائر من أفعال غريبة و أشخاص جديدة و أحوال بديعة لم يكن شيء منها قبل ذلك قال القاضي: و في الحديث من شأنه أن يغفر ذنبا و يفرّج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين و هو ردّ لقول اليهود إنّ اللّه لا يقضي يوم السبت شيئا انتهى. أقول: و هو أيضا ردّ على من ذهب أنّه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما عليه الآن معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدّم خلق آدم (عليه السلام) على خلق أولاده و التقدّم و التأخّر إنّما يقع في ظهورها لا في حدوثها [١] و هذا المذهب مأخوذ من [٢] أصحاب الكمون و الظهور من جملة الفلاسفة كما أشار إليه صاحب الملل-
[١] «فى ظهورها لا فى حدوثها» ظاهر هذا الكلام غير معقول، اللهم الا أن يرجعوا الى ما قالوا فى الفرق بين الدهر و الزمان و ان الامور المترتبة فى الزمان مجتمعة فى الدهر و ربما يمثل ذلك بخيط ملون بالوان مختلفة تمشى عليه نملة ترى كل لون اذا حاذاها، و أما الانسان فيرى جميع الالوان دفعة واحدة، و لما كان واجب الوجود علة العلل و وجود كل موجود انما هو باضافته الاشراقية و الرابطة التى بينه تعالى و بين المعلول أقوى و أشد من كل رابطة، و قلنا ان رابطة النور تقتضى رؤية الانسان شيئا مضى و تموجات الهواء تقتضى سماعنا لاصوات مضت فلم يستبعد أن يرى اللّه و يسمع و يحيط بقدرته على جميع ما مضى و ما سيأتى دفعة واحدة و ليس معنى اجتماع المترتبات فى الدهر نفى الزمان عنها و لا عدم الترتب بينها و معيتها فى الزمان بل معيتها و اجتماعها فى علم البارى و حضورها عنده دفعة واحدة و قدرته عليها جميعا. (ش)
[٢] قوله «و هذا المذهب مأخوذ» أصحاب الكمون و البروز طائفة من قدماء فلاسفة اليونان أورد الشيخ فى الشفا مذهبهم و زيفه فى الفصل الرابع من الفن الثالث من الطبيعيات و حاصل مذهبهم أن ما نرى من استحالة العناصر بعضها الى بعض كالهواء يتبدل نارا مثلا ليس استحالة بالحقيقة اذ لا يجوز تغير ماهية شيء الى غيرها فلا يصير شيء شيئا أصلا فما خلق فى اوّل وجوده مثلا حديدا أو نحاسا أو كبريتا أو غيرها فهو يبقى على ماهيته و صورته النوعية أزلا و أبدا الا أن فى كل منها سائر الاشياء كامنة فالنار كامنة فى الهواء و مخلوقة فيه غير ظاهرة و انما يظهر بالاشتعال و شاركهم أهل عصرنا فى قولهم بعدم استحالة العناصر و لكن يخالفونهم فى ان المواليد بالتراكيب و الامزجة لا بالبروز فكل حادث عندهم بتركيب و مزاج أو بتحليل و لا يستحيل شيء الى شيء آخر الا بزيادة عنصر فيه او نقص و لا حاجة فعلا الى نقل مذهبهم و لا فائدة فيه. (ش)