ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٤٤١ - سبع و عشرون
بات الكرى عندي يزوّر زورة # من قاطع نائي الدّيار مهاجر
أحذاك حرّ الوجد غير مساهم، # و سقاك كأس الهمّ غير معاقر
إنّ الظّعائن يوم جوّ سويقة # عاودن قلبي عند يوم الحاجر
سارت بهم ذلل الرّكاب فلا روى # للظّاميات، و لا لعا للعاثر
كم في سراها من سروب مدامع # تقفو سروب ربارب و جآذر [١]
حلبت ذخائرها المدامع بعدكم # في أربع قبل العقيق دواثر
يبكين حيّا خفّ غير مقايض # بهوى، و حيّا قرّ غير مزاور
لو تحفلون بزفرة من واجد، # أو تسمعون لأنّة من ذاكر
لا تحسبوا أنّي أقمت، فإنّما # قلب المقيم زميل ذاك السّائر
قالوا: المشيب!فعم صباحا بالنّهى، # و اعفر مراحك للطّروق الزّائر
لو دام لي ودّ الأوانس لم أبل # بطلوع شيب و ابيضاض غدائر [٢]
لكنّ شيب الرّأس إن يك طالعا # عندي فوصل البيض أوّل غائر
واها على عهد الشّباب و طيبه، # و الغضّ من ورق الشّباب النّاضر
واها له ما كان غير دجنّة، # قلصت صبابتها كظلّ الطّائر [٣]
سبع و عشرون اهتصرن شبيبتي، # و ألنّ عودي للزّمان الكاسر
كان المشيب وراء ظلّ قالص # لأخي الصّبا، و أمام عمر قاصر
و أرى المنايا إن رأت بك شيبة # جعلتك مرمى نبلها المتواتر
تعشو إلى ضوء المشيب فتهتدي، # و تضلّ في ليل الشّباب الغابر
لو يفتدى ذاك السّواد فديته # بسواد عيني بل سواد ضمائري
[١] سروب المدامع: جريانها-سروب (الثانية) جمع سرب: قطيع- ربارب، جمع ربرب: القطيع من بقر الوحش-الجآذر، جمع جؤذر:
ولد البقرة الوحشية.
[٢] لم أبل: لم أهتم.
[٣] واها: كلمة تعجب للتلهف و التأسّف-قلصت: انقبضت-الصبابة:
بقية الماء، استعارها لبقية الدجنة، أي الظلمة.