ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥٥٧ - تخدعني ورق الحمام
و ردّوا أكفّ الحرب حلما عن العدى # إذا أمكنت حدّ السيوف المقاطع
فكم غارة تسترجف اللّيل أيقظت # صدور القنا، و الغادرون هواجع
عيون العوالي و النّجوم روامق، # و نقع المذاكي، بينهنّ، براقع [١]
و لا بدّ من شعواء تظمأ نفوسها # و ليس لها إلاّ السّيوف مشارع
هو اليوم أخفت خيله لمع آله، # فأشباحه فوق العجاج لوامع [٢]
ترى النّقع مسودّ الذّيول، و فوقه # رداء الرّدى تحمرّ منه الوشائع [٣]
و ركب كأنّ التّرب ينهض نحوه # يعانقه في سيره و يصارع
فلو أنّ ثغر اللّيل لاح ابتسامه # عن الصّبح منه لم تسمه البلاقع
إذا ما سروا تحت الدّجى فوجوههم # لضوء الضّحى قبل الصباح طلائع
و إن أدلجوا لم يسأل الليل عنهم # كأنّهم فيه النّجوم الطّوالع
و يبدأ فيها للسّراب زخارف، # تلاعب لحظ المجتلي و تخادع
فلا تعجبوا من سيرهم في هجيرها، # فجرّ وغاهم للهجير طبائع
و أرض يضلّ اللّيل بين فروجها، # و يجزعه أجزاعها و الأجارع [٤]
تخطّيتها و الصّبح يخرق في الدّجى # نوافذ لا يلقى بها الجوّ راقع
تطاول أسر اللّيل فيها، كأنّما # دجاه لأعناق النّجوم جوامع
و قد مدّ من باع المجرّة فانثنى # كأنّ الثّريّا فيه كفّ تقارع
وهبت لضوء الفرقدين نواظري # إلى أن بدا فتق من الفجر ساطع
كأنّهما إلفان قال كلاهما # لشخص أخيه: قل، فإنّي سامع
إذا أنا لم أقبض عن الخلّ هفوة، # فلا بسطت كفّي إليه الصّنائع
[١] النقع: الغبار الكثيف-المذاكي، جمع مذكي: هو من الخيل ما تمّ سنه و كملت قوته.
[٢] الآل: السراب.
[٣] الوشائع، جمع وشيعة: التفاف الغبار.
[٤] يجزعه، يخيفه-أجزاعها، جمع جزع: محلّة القوم، و الأجزاع هي أقسام الوادي أيضا-الأجارع، جمع أجرع: رملة مستوية لا تنبت شيئا.