ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٥٣ - ذهب العيش الرقيق
و قد رمت الأيّام من حيث لا أرى # صميمي بالدّاء العنيف على عمد
فلا تعجبا أنّي نحلت من الجوى، # فأيسر ما لاقيت ما حزّ في الجلد
و لو أنّ رزءا غاض ماء لكانه، # و جفّت له خضر الغصون من الرّند [١]
سقى قبره مستمطر ذو غفارة، # يجرّ عليه عرف ملآن مربدّ [٢]
إذا قلت: قد خفّت متاليه أرزمت # و أجلب بالبرق المشقّق و الرّعد [٣]
حسام جلا عنه الزّمان، فصمّمت # مضاربه حينا، و عاد إلى الغمد
سنان تحدّته الدّروع بزغفها، # فبدّد أعيان المضاعف و السّرد [٤]
جواد جرى حتّى استبدّ بغاية # تقطّع أنفاس الجياد من الجهد
سحاب علا حتّى تصوّب مزنه، # و أقلع لمّا عمّ بالعيشة الرّغد
ربيع تجلّى، و انجلى، و وراءه # ثناء، كما يثنى على زمن الورد
نعضّ على الموت الأنامل حسرة، # و إن كان لا يغني غناء و لا يجدي
و هل ينفع المكلوم عضّ بنانه # و لو مات من غيظ على الأسد الورد
عوار من الدّنيا يهوّن فقدها # تيقّننا أنّ العواريّ للرّدّ
ينال الرّدى من يعرض الهضب دونه # و لو كان في غور من الأرض أو نجد
و يسلم من تسقى الأسنّة حوله # بأيدي الكماة المعلمين على الجرد [٥]
فما ذاك إن لم يلق حتفا بخالد، # و لا ذا من الحتف المطلّ على بعد
لئن ثلمت منّي اللّيالي عشائري # فما ثلموا إلاّ من الحسب العدّ [٦]
[١] الرند: نبات طيب الرائحة يشبه الآس.
[٢] غفارة: سحابة-العرف: الشعر النابت في رقبة الفرس، استعارة للسحاب -مربد: قاتم.
[٣] متاليه: أمطاره-أرزم الرعد: اشتدّ صوته.
[٤] بزغفها: بلينها-السرد: الدرع.
[٥] الكماة المعلمون: الابطال عليهم علامات القتال-الجرد: الجياد القصيرة الشعر.
[٦] الحسب العد: النسب القديم.