ديوان الشريف الرضي - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٥٦٦ - الدهر يعصي و يطيع
و خاطرت مشغوفا بما أنا طالب، # أجوب الدّجى و الطّالبون هجوع
ألا إنّ رمحا لا يصول لنبعة، # و إنّ حساما لا يقدّ قطيع [١]
و فارقت من أبناء قيس و خندف # رجالا، و لم تنفر عليّ ضلوع
تركتهم يدعون، و الدّمع ناشز، # و ما ملكت طرفي عليّ دموع
و حذّرهم منّي فؤاد مشيّع، # و عزم لأقران الرّجال قطوع [٢]
و نفس على كرّ النّوائب حرّة، # و قلب على حرب الزّمان مطيع
و قلت: قبول الضّيم أعظم خطّة، # و ما الحرّ في رحب البلاد مضيع
فلمّا رأيت الذّلّ في القوم سبّة، # ذهبت، فلم يقدر عليّ رجوع
ألا إنّ ليلي بالعراق كأنّه # طليح تجافاه الرّجال ظليع [٣]
مقيم يعاطيني الهموم، و ناظري # معنى بأعجاز النّجوم و لوع
و خيل أبحناها السّماوة و الوجى # تنفّر أيديها الحصى، و تروع [٤]
إلى أن تسامى الصّبح، و اللّيل لافظ # حشاشته، و الطّالعات تريع
و للّه يوم بالعراق نجوته، # و أيدي المنايا بالنّجاء وقوع
تملّست منه أملس الجيب و انثنى # له في جيوب النّاكثين ردوع [٥]
تنازعه الأفواه في كلّ مشهد، # و كلّ حديث كنت فيه بديع
طعمنا و أطعمنا القنا من دمائه، # و سارت بآمال الرّجال صدوع
و تحفظ أيدينا كعوب رماحنا، # و أطرافها بين القلوب تضيع
طماعيتي أن أملك المجد كلّه، # و كلّ غلام في العلاء طموع
و مولى يعاطيني الكئوس تجمّلا، # و قد ودّ لو أنّ العقار نجيع [٦]
[١] النبعة: شجرة للقسي و السهام-القطيع: السوط.
[٢] مشيّع: شجاع-قطوع: قاطع.
[٣] طليح: هزيل، تعب-ظليع: مائل، منحرف، غير سوي.
[٤] السماوة: ظهر الفرس-الوجى: الحفا.
[٥] تملّست: تخلّصت.
[٦] العقار: الخمر-نجيع: دم.