دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ٩٤ - القول الثالث أنّ حقيقة الوضع أمر اعتباري في الألفاظ
لأنّ ذلك إنّما يكون من لوازم الوضع المترتّبة عليه بعد تحقّق الوضع و صدوره عن الواضع، بل إنّما ينتزع ذلك عن انس الذهن بذلك أو عن كثرة الاستعمال بعد تحقّق الوضع، لا أنّه عبارة عن نفس حقيقة علقة الوضعيّة، و ذلك من الظهور بحدّ لا يحتاج إلى أدنى تأمّل فيه.
و لقد كفاك شاهدا على ما ذكرناه النظر في الأعلام المنصوبة للعلامة على تعيين الفراسخ في الطرق البعيدة، فإنّه إذا انتقلت بعد النصب إلى غير مكانها المعيّن الذي نصبت أوّلا فيه لدلالتها عليه من المقصود الخاصّ، المارّ عليها بمناسبة انس الذهن إذا مرّ على المكان الجديد يتبادر إلى ذهنه المكان الأوّل، مع أنّها قلعت عن مكانها الأوّل، و نصبت في المكان الجديد بالهزل و العبث، مع أنّ المارّ عليها يتبادر إلى ذهنه تلك العلامة الخاصّة و المقصود الخاصّ، كما كان الأمر كذلك في المكان الأوّل الذي نصبت فيه لأجل الدلالة على تلك المسافة الخاصّة.
فالدلالة المتبادرة إلى ذهن المارّ في المكان الثاني غير مربوطة بالعلقة الوضعيّة الأوّليّة، بل إنّما نشأت من انس الذهن و كثرة المرور بذلك المكان الأوّل و تخيّل أنّ نصبه في هذا المكان الجديد أيضا كان بذلك الاعتبار الأوّلي، مع أنّ نصبه في المكان الجديد إنّما حدث بالهزل و العبث أو الانحراف في سير العابر و المارّ لأجل غرض السرقة، من دون أن يكون مربوطا بالعلقة الوضعيّة في شيء بالقطع و اليقين.
و إذا علمت ذلك كلّه فانقدح لك أنّ ما أفاده المحقّق صاحب الكفاية (قدّس سرّه) يكون من لوازم علقة الوضعيّة لا عينها بعنوان الحقيقة.
فلنا أن نقول: إنّ ذات و حقيقة علقة الوضعيّة كما هو حقّها يتّضح بالتكلّم في الغرض و الغاية التي تكون هي الباعثة و الداعية للواضعين على وضع الألفاظ