دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ٧٦ - الناحية الثالثة في أقسام الوضع
أمّا الأوّل: فإنّ أهل كلّ محاورة من أهل ذلك اللسان و اللغة لا إلزام لهم من حيث الحاجة إلى القيام بوضع جميع الألفاظ بما لها من المعاني التي يدور عليها البيان و الإفادة و الاستفادة بالنسبة إلى جلّ الألفاظ و المعاني في جميع الأزمنة و الدهور من العصور المتمادية، حتّى يقال: إنّ ذلك ليس في إمكان البشر و أنّه غير قادر على ذلك؛ بل يمكن الوضع بمقدار الابتلاء بشكل تدريجي في مدار اقتضاء الحاجة في كلّ عصر بحسب دعوة الحاجة إلى التعبير بواسطة الألفاظ عن المعاني عند التخاطب و التفاهم، و ذلك في اقتدار أهل الوضع في نهاية الوضوح و الإشراق.
و أمّا الثاني فلا يخفى عليك أنّه لا حاجة لنا بوجه من الوجوه إلى وضع جميع الألفاظ لجميع المعاني؛ إذ ذلك خارج عن الابتلاء، فعليه الوضع بأزيد عن مقدار الابتلاء يكون من أظهر مصاديق اللغو.
و قد بقي الكلام في بيان الوجه الثاني و هو عبارة عن أنّ الواضع لو كان واحدا من أبناء البشر لاشتهر ذكره في لسان أهل التواريخ؛ إذ ذكرنا غير مرّة أنّ مثل ذلك العمل يعتبر من أعظم أعمال البشر و خدماته في ميادين الخدمة و العمل، فبما أنّ ذلك العمل ممتاز بالنسبة إلى الأعمال الصادرة عن الإنسان لتوفّر الداعي في نقله، مع أنّه بقي مسكوتا عنه في التواريخ و في حدّ النسيان.
فلا يخفى عليك بطلان ذلك؛ إذ ذلك الإشكال يبقى بحاله إذا كان الواضع شخصا خاصّا من البشر كحضرة إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) أو تعداد جمع مخصوص، بخلاف ما إذا التزمنا بما مرّ عليك من أنّ الواضع غير منحصر في شخص خاصّ واحد أو جماعة مخصوصين، بل الحقّ الذي هو غير قابل للإنكار في المقام أنّه إنّما يكون في كيان كلّ مستعمل من أبناء اهل المحاورة و اللغة، و ذلك واضح إذا كان الوضع في صورة التدريج، إذ عند ذلك ينتفي الإشكال في