دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ٩٠ - القول الثالث أنّ حقيقة الوضع أمر اعتباري في الألفاظ
فبما أنّ ذلك المهمّ الحياتي غير ممكن بخطوط الإشارة و أمثالها بنحو الأحسن، لعدم كفايتها في بيان المحسوسات حتّى تبلغ النوبة إلى بيان المعقولات بها، فلا مناص- لا محالة- إلّا من استخدام الألفاظ في الوصول إلى ذلك المهمّ، و هو عبارة عن إبراز مقاصده من المحسوسات و المعقولات، لأنّها كافية في قضاء تلك الحاجة فقط من دون أيّ ريب و ترديد. و لأجل ذلك جعل اللّه تبارك و تعالى هذا المطلب العظيم في عهدة نعمة البيان حيث قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ [١]، و ذلك تفضّل منه تبارك و تعالى على الإنسان إذ خصّ الإنسان مخصوصا بخصوص نعمة البيان.
و بالجملة فقد انتهى كلامنا إلى بيان المختار من الوضع في ألفاظ المحاورة، و قلنا: إنّ المحصّل من الغرض المترتّب على الوضع ليس إلّا قصد التفهيم و التفهّم و إظهار المقاصد بها عند الحاجة.
فانقدح لك عند ذلك أنّ حقيقة الوضع يتلخّص و يتعيّن في التعهّد و التبنّي النفساني، إذ الوضع لا ينفك عن قصد التفهيم، بل قصد التفهيم لازم ذاتي للوضع بمعنى التعهّد و الالتزام، على أنّ علقة الوضعية مخصوصة عند ذلك بصورة إرادة الواضع تفهيم المعنى من وضع الألفاظ لا مطلقا. و على ضوء هذا التقرير إنّما تختصّ الدلالة الوضعيّة بالدلالة التصديقيّة، حسب ما سنتكلّم في ذلك بالتفصيل من هذه الناحية بحول اللّه و قوّته.
فإذا علمت ذلك فاعلم أنّ حقيقة الوضع ليس إلّا التعهّد بإبراز المعنى و إظهاره عند حاجة المتكلّم بتفهيمه في لفظ خاصّ عند المحاورة، بمعنى أنّ المتكلّم إذا تعلّق غرضه ببيان مفهوم خاصّ في عالم المفاهيم له أن يستخدم مظهره لفظا
[١] الرحمن: ٣- ٤.