دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ١٠٥ - و المطلب الثاني أنّ ما أوضحناه في المقام في بيان حقيقة علقة الوضعيّة بعنوان الحقيقة مختصّة بخصوصيّة خاصّة
كثرة الاستعمال و ابتلاء أهل المحاورة بها في امور الدنيا و الدين.
على أنّ- الوضع كما تقدّم- إنّما يحتاج إليه جنس البشر لأنّه فعل من الأفعال الاختيارية في افق المبيّن لغرض إبراز المقاصد في مقام الإفهام و التفهيم باستخدام الألفاظ للوصول إلى ما يحتاج من المعاني في أسهل طرق البيان، فكيف يصحّ صدورها في أمثال تلك الموارد التي لا يترتّب عليها أيّ غرض من الأغراض بوجه من الوجوه من الواضع الملتفت الحكيم، فصار المتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّه لا فرق بين الوضع و الاستعمال، كما لا فرق بين الواضع و المستعمل في صحّة اتّصافهما باسم الواضع و إطلاق الواضع عليهما بعنوان الحقيقة على مسلك المختار، و أن نعبّر عن كلّ واضع باسم المستعمل و بالعكس بإطلاق اسم الواضع على المستعمل على نحو الحقيقة لا المجاز.
نعم، بينهما فرق بالتقدّم و التأخّر من ناحية تقدّم زمان الواضع على زمان المستعملين، نظير ما نراه فيما بأيدينا من القوانين العرفيّة و الدينيّة من المقنّين السابقين بالنسبة إلى المستعملين اللاحقين حسب ما فسّرناه من الجعل و الاعتبار بالتعهّد و التبنّي في الواضع الحكيم.
و ملخّص الكلام أنّ الوضع- بالمعنى الذي فسّرناه و بيّناه- ينطبق على المعنى اللغوي كما لا يخفى على ذو تأمّل جليّ، و ذلك من جهة أنّ الوضع في اللغة ليس إلّا بمعنى الجعل و الإثبات و الإقرار، فتكون بحسب الحقيقة كلمة (وضع) من الفعل الماضي بمثابة كلمة (جعل) و (أقرّ) بمعنى واحد، فيكون معنى «وضع فلان هذا اللفظ لهذا المعنى» بمعنى: جعله و أقرّه لهذا المعنى المذكور، و يكون من هذا الباب جعل و وضع القوانين الشرعيّة و العرفيّة، لأنّه يكون بمعنى التعهّد و الالتزام من ناحية الحكومة و العرف لتنفيذها في الامّة ليتمسّكوا بها عند الحاجة و الضرورة.