دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ١٧٩ - المسلك المختار في المعنى الحرفي
المضيّق الخاصّ.
فالواضع إنّما أتى بالحرف في مقام الوضع في الكلام لإفهام ذلك المقصود الخاصّ المضيّق لا بما له من السعة و الانطباق على كلّ زمان و مكان، و كلمة (زيد) بما لها من المفهوم قابلة لأن تكون في كلّ مكان على البدل، فإذا قيل: إنّه في الدار، فكلمة (في) تدلّ على أنّه متحيّز بذلك الحيّز الخاصّ في زمان خاصّ. و هكذا إذا قيل: إنّ زيدا يكون في الكوفة في يوم الجمعة. و هكذا السير، إذ السير من حيث الصدور من الفاعل يمكن أن يتعلّق على البدل بالبلاد المختلفة، فإذا قلت: أنت سرت من البصرة إلى الكوفة، فتلك السعة من الانطباق الوسيع على البدل تتضيّق بإدخال كلمة «من» على البصرة و كلمة «إلى» على الكوفة لهاتين المدينتين المعروفتين في العراق دون إيران و مصر و الحجاز و لبنان.
فبما أنّ المقاصد تختلف عند قضاء الحاجة إلى بيانها، فلا جرم يحتاج الواضع الحكيم و المتكلّم العليم إلى وضع ما يدلّ عليها و يكون وسيلة لإفهامها عند قصد الناطق تفهيم تلك الخصوصية، و ليس وعاء وسعة نظره و إشرافه على المعاني و الألفاظ الدالّة على المفاهيم المتكثّرة في مقام الوضع أوفى و أمكن و أسهل و أفضل و أبلغ و أفصح من الحروف، و إلّا لاختار ذلك دون الحروف. و لأجل ذلك اختار الحروف و الأدوات و أمثالهما من الهيئات الدالّة على تلك النسب الناقصة، نظير هيئات المشتقّات، و هيئة الإضافات و الملابسات و التوصيفات.
فكلّ واضع و متكلّم إنّما هو متعهّد في نفسه و تصوّره بأنّه متى أراد و قصد تفهيم مطلب خاصّ أو حصّة خاصّة من تلك الحصص المتقدّمة من المعنى و المفهوم الذي يكون متعلّق حاجته أن يعيّن و يجعل دالّا و مبرزا في مقام التخاطب، و هو في المقام حرف من تلك الحروف الموضوعة في اللغة