آراء حول مبحث الألفاظ في علم الأصول - الفاني الأصفهاني، علي - الصفحة ٣٩٣ - تعريف المطلق
المحاورة لدى التكلم بالالفاظ و هو كونهم بصدد تفهيم مداليل الألفاظ و مفاهيمها الثابتة لها عندهم، أو يراد به أمر زائد على ذلك، هو كون المتكلم علاوة عن ذلك بصدد بيان حدّ المداليل سعة و ضيقا أيضا، ظاهر كلمات القوم هو الثانى (و ما يمكن) أن يقرّب به لزوم ذلك في الأخذ بالاطلاق أنّ المتكلم و إن لم يكن له بدّ من أن يقصد بالقاء اللفظ تفهيم مدلوله فلا يكون بصدد الهزل أو التمثيل كما فى الأمثلة النّحوية، فمراده من قوله جئني بالماء هو الإتيان بالماء حقيقة، إلّا أنّ مدلول اللفظ المقصود تفهيمه كحقيقة الماء لما كانت قابلة لعروض خصوصيّات مختلفة عليها كالبرودة و الحرارة و الحلاوة و الحموضة و نحوها من الطوارى و معلوم أنّ الطبيعة لا تقع معروضة لحكم حالكونها مهملة، فلا بدّ من إحراز كون المتكلم فى مقام بيان حدّ المدلول أيضا و أنّ موضوع حكمه محدود بأيّ واحد من الحدود المتصوّرة للمدلول حتى يمكن الأخذ باطلاق الكلام من تلك الجهة، و لذا قد لا يكون للكلام إطلاق من الجهة الثانية أعنى حدّ المدلول مع كونه مطلقا من الجهة الأولى أى الأصل المقامى كما فى قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ: فانه تعالى فى الآية و إن كان بصدد تفهيم أصل المدلول و هو حليّة أكل ما أخذه الكلب المعلّم لكن لا إطلاق لها مع ذلك من جهة حدّ الحلية و أنّها تشمل موضع ملاقاة فم الكلب مع الصّيد أم لا، و لذا شاع فى الألسن فى أمثاله أنّ الكلام مسوق لبيان حكم آخر.
(و يدفعه) أنّ الجهة الأولى تستلزم الثانية لانّ كل لفظ موضوع لنفس طبيعة المعنى كما تقدم فالمتكلم الذي هو بمقتضى بناء أهل المحاورة يكون بصدد تفهيم مدلول اللفظ للمخاطب إذا أخذ اللفظ بالاطلاق أى بلا انضمام قيد إليه فى كلامه موضوعا لحكم فالكاشف عن مراده الذي يكون بصدد تفهيمه هو اللفظ بمدلوله العام أى الطبيعة بما لها من الأفراد الخارجيّة (و توهم) استلزام ذلك وقوع الطبيعة مهملة موضوعا للحكم (مدفوع) بما حقّقناه سابقا من أنّ المأخوذ فى موضوع الأحكام هو اللّابشرط القسمي أعني طبيعة المعنى ملحوظة لدى المتكلم بما لها من التعيّن الذاتى و السّريان الطبعى، لانّ محلّ الكلام إنّما هو الإطلاق الإثباتى الذي يكون عبارة عن لحاظ السّريان الذاتى للمعنى فى عالم جعله موضوعا للحكم (و توهم)