دانشنامه اميرالمؤمنين بر پايه قرآن، حديث و تاريخ - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٢٦ - ٥٢ ضرار بن ضمره ضبابى
وهُوَ بِالمَوسِمِ فَقالَ لَهُ: صِف عَلِيّا.
قالَ: أ وَتَعفِني؟
قال: لا بُدَّ أن تَصِفَهُ لي.
قالَ: كان وَاللّهِ أميرُ المُؤمِنينَ ٧، طَويلَ المَدى، شَديدَ القُوى، كثيرَ الفِكرَةِ، غَزيرَ العَبرَةِ، يَقولُ فَصلًا، ويَحكُمُ عَدلًا، يَتَفَجَّرُ العِلمُ مِن جَوانِبِه، وتَنطِقُ الحِكمَةُ مِن نَواحيهِ، يَستَوحِشُ مِنَ الدُّنيا وزَهرَتِها، ويَأنَسُ بِاللَّيلِ ووَحشَتِهِ، وكانَ فينا كَأَحَدِنا يُجيبُنا إذا دَعَوناهُ، ويُعطينا إذا سَأَلناهُ، ونَحنُ وَاللّهِ مَعَ قُربِهِ لا نُكَلِّمُهُ لِهَيبَتِهِ، ولا نَدنو مِنهُ تَعظيما لَهُ، فَإِن تَبَسَّمَ فَعَن غَيرِ أشَرٍ[١] ولَا اختِيالٍ، وإن نَطَقَ فَعَنِ الحِكمَةِ وفَصلِ الخِطابِ، يُعَظِّمُ أهلَ الدّينِ، ويُحِبُّ المَساكينَ، ولا يُطمعُ الغَنِيَّ في باطِلِهِ، ولا يوئِسُ الضَّعيفَ مِن حَقِّهِ، فَأَشهَدُ لَقَد رَأَيتُهُ في بَعضِ مَواقِفِهِ وقَد أرخَى اللَّيلُ سُدولَهُ وهُوَ قائِمٌ في مِحرابِهِ، قابِضٌ عَلى لِحيَتِهِ، يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّليمِ، ويَبكي بُكاءَ الحَزينِ، ويَقولُ:
يا دُنيا يا دُنيا، إلَيكِ عَنّي، أ بي تَعَرَّضتِ أم لي تَشَوَّقتِ؟ لا حانَ حينُكِ، هيهاتَ! غُرّي غَيري، لا حاجَةَ لي فيكِ، قَد طَلَّقتُكِ ثَلاثا لا رَجعَةَ فيها، فَعَيشُكِ قَصيرٌ، وخَطَرُكِ يَسيرٌ، و أمَلُكِ حَقيرٌ، آه مِن قِلَّةِ الزّادِ، وطولِ المَجازِ، وبُعدِ السَّفَرِ، وعَظيمِ المَورِدِ!
قالَ: فَوَكَفَت[٢] دُموعُ مُعاوِيَةَ ما يَملِكُها، ويَقولُ: هكَذا كانَ عَلِيُّ ٧، فَكَيفَ حُزنُكَ عَلَيهِ يا ضِرارُ؟
قالَ: حُزني عَلَيهِ واللّه حُزنُ مَن ذُبِحَ واحِدُها في حِجرِها؛ فَلا تَرقَأ دَمعَتُها،
[١] الأشَرُ: البَطَر. وقيل: أشدُّ البَطر( النهاية: ج ١ ص ٥١« أشر»).
[٢] وَكَفَ الدَّمْعُ: إذا تَقَاطَر( النهاية: ج ٥ ص ٢٢٠« وكف»).