إعلام الورى بأعلام الهدى ط- الحديثة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٤٤٢
قد أعطى اللّه عهدا لئن تمّمتم على حربه و لم تنصرفوا من عشيّتكم هذه أن يحرم ذرّيّتكم العطاء، و يأخذ البريء بالسقيم، و الشاهد بالغائب.
فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون، و كانت المرأة تأتي ابنها و أخاها و زوجها و تقول: انصرف الناس يكفونك، و يجيء الرجل إلى ابنه و أخيه و يقول له: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشرّ؟! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل و صلّى المغرب و ما معه من أصحابه إلّا ثلاثون نفسا.
فلمّا رأى ذلك خرج متوجّها نحو أبواب كندة (فلمّا)[١] بلغ الباب و معه منهم عشرة، فخرج من الباب فإذا ليس معه إنسان، و لا يجد أحدا يدلّه على الطريق، فمضى على وجهه متلدّدا[٢] في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، و هي على باب دارها تنتظر ولدا لها، فسلّم عليها و قال: يا أمة اللّه اسقيني ماء، فسقته و جلس.
فقالت: يا عبد اللّه، قم فاذهب إلى أهلك؟ فقال: يا أمة اللّه ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك فيّ أجر و معروف و لعلّي اكافئك بعد اليوم؟
فقالت: و ما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم و غرّوني و أخرجوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم، قالت: ادخل.
فدخل بيتا في دارها غير الذي تكون فيه، و فرشت له، و عرضت عليه العشاء فلم يتعشّ.
فجاء ابنها، فرآها تكثر الدخول إلى البيت و الخروج منه، فسألها عن ذلك فقالت: يا بنيّ إله عن هذا، قال: و اللّه لتخبريني.
[١] كذا في نسخنا، و الصواب: فما.
[٢] يتلدد: أي يلتفت يمينا و شمالا.« الصحاح- لدد- ٢: ٥٣٥».