إعلام الورى بأعلام الهدى ط- الحديثة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٥٤
و بلغ الأوس و الخزرج خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلبسوا السّلاح و أقبلوا يعدون حول ناقته، لا يمرّ بحيّ من أحياء للأنصار إلّا وثبوا في وجهه و أخذوا بزمام ناقته و تطلّبوا إليه أن ينزل عليهم، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: «خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة» حتّى مرّ ببني سالم.
و كان خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول اللّه هلم إلى الجدّ و الجلد و الحلفة و المنعة.
فبركت ناقته عند مسجدهم، و قد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فنزل عليه و آله السلام في مسجدهم و صلّى بهم الظهر و خطبهم، و كان أوّل مسجد صلّى فيه بالجمعة، و صلّى إلى بيت المقدس، و كان الذين صلّوا معه في ذلك الوقت مائة رجل.
ثمّ ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ناقته و أرخى زمامها، فانتهى إلى عبد اللّه بن ابيّ، فوقف عليه و هو يقدّر أنّه يعرض عليه النزول عنده، فقال له عبد اللّه بن ابيّ- بعد أن ثارت الغبرة و أخذ كمّه و وضعه على أنفه-: يا هذا اذهب إلى الذين غرّوك و خدعوك و أتوا بك فانزل عليهم و لا تغشنا في ديارنا. فسلّط اللّه على دور بني الحبلى الذرّ[١] فخرق دورهم فصاروا نزالا على غيرهم، و كان جدّ عبد اللّه بن ابيّ يقال له: ابن الحبلى.
فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول اللّه لا يعرض في قلبك من قول هذا شيء، فإنّا كنّا اجتمعنا على أن نملّكه علينا و هو يرى الآن أنّك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فانزل عليّ يا رسول اللّه، فإنّه ليس في الخزرج و لا في الأوس أكثر فم بئر منّي، و نحن أهل الجلد و العزّ، فلا تجزنا يا رسول اللّه.
[١] الذر: جمع ذرة، و هي أصغر النمل.« الصحاح ٢: ٦٦٣».