إعلام الورى بأعلام الهدى ط- الحديثة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٧
نعم، فاذا اعتبرنا بان كتابة التأريخ واحدة من أجلّ العلوم و المعارف الانسانية التي تعمل على مد الجسور و الصلات الحياتية- بمفرداتها المختلفة- و الفكرية، و ربطها بالحاضر المعاش، و حيث ينبغي ان تكون صورة منعكسة صادقة عن واقع الاحداث الدائرة حول مراكزها الحقيقية، و أقطابها الحقيقية.
فان الدور الذي لعبته دوائر القرار السياسي الحاكمة إبان ابتناء اللبنات الاولى لقيام هذا البنيان الكبير كان له الاثر الكبير في ترسيخ جملة من المفاهيم و القواعد المغلوطة التي أمست- بترويج و تكريس و اقرار تلك المراكز لها، و الفراغ الذي أوجدته سياسة اولئك الحكام و أتباعهم- العيون الكبرى، و النوافذ الواسعة المشرعة على الدهور السالفة، و القرون الماضية، و التي لا يسع الباحث إلّا الاغتراف من بحرها، و المخر في عبابها، و اقتحام لججها.
و لا غرو في ذلك، فان من يستقرى السنوات التي عاصرتها بدايات قيام المناهج التقليدية لكتابة التأريخ- بشقيها المتعلّقين بما يسمى بكتب المغازي من جانب، و التاريخ العام من جانب آخر[١]- يجدها قد ولدت بين احصان و احتواءات السياسة الاموية أو العبّاسية، و بالتالي اتسامها بالمحاذرة اليقظة المتوجّسة من تجاوز الخطوط الحمراء التي كرّستها سياسة تلك الحكومتين، و ما يترتب على ذلك من تأثر- موافقا كان أو مغلوبا على
[١] أردنا هنا بالتأريخ العام الشكل الاوسع في كتابة التأريخ الاسلامي، لا ما يعرف عند المؤرّخين من انه ما يشمل تأريخ العالم بأسره، و حيث يعد أوّل من كتب فيه اليعقوبي في منتصف القرن الثالث الهجري، ثم تلاه ابن جرير الطبري المتوفى عام ٣١٠ ه.