شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٥٢ - المبحث السّادس في الخلاء
ومنها: أنّا نرى إناء مملوّاً من رماد يسع ملاؤه ماء، فلولا أنّ هناك خلاء استحال أن يسع ملاؤه ماء .
وأيضاً أنّ الدَّن [١] يملأ شراباً ثمّ يجعل ذلك الشّراب بعينه في زِقّ[٢]، ثمّ يجعلان في ذلك الدّنّ بعينه، فيسع الدّنّ الزِقّ والشّراب معاً، فلولا أنّ في الشّراب خلاء قد انحصر فيه مقدار مساحة الزِقّ، لاستحال أن يسع الزِقّ والشّراب معاً ما كان يملؤه الشّراب وحده.
وأيضاً النّامي إنّما ينمو بنفوذ شيء فيه، فلا شكّ أنّ ذلك الشّيء ينفذ لا في الملاء ولكن في الخلاء.
وكذا كلّ متحرّك: إمّا أن يتحرّك في خلاء، وأمّا أن يتحرّك في ملأ، لكنّه إن تحرّك في ملاء، فقد دخل ملاء في ملاء، فبقى أن يتحرّك في الخلاء.
ومنها: أنّ القارُورة [٣] تمصّ، ثمّ تكبّ على الماء فيدخلها الماء، ولو كانت مملوّة لما وسعت شيئاً آخر يدخل فيها .
ومنها: أنّ المتحرّك إذا تحرّك، فلا يخلو: إمّا أن يدفع الملأ، فتحرّكه، وإمّا أنّ يداخله، لكنّ المداخلة محالة، فبقى أن يدفعه ويحرّكه.
وكذلك حال ما دفعه فيما يتحرّك فيه، فيلزم إذا تحرّك متحرّك أن
[١] جمع دِنان: الرّاقود العظيم لا يقعد إلاّ أن يُحضَر له، وهو وعاء كبير، يستعمل للشراب.
[٢] هو جلد يستعمل لحمل الماء.
[٣] جمع قوارير وهو إناء يُجعل فيه الشراب والطيّب ونحوهما.