شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٤٩٨ - المسألة العاشرة في كيفيّة تعقّل النّفس وإدراكها
«أمّا المدرك من القوى للصّور الجزئيّة الظاهرة على هيئات غير تامّة التّجريد والتّفريد عن المادّة، ولا مجرّدة أصلاً عن علائق المادّة كما تدركه الحواسّ الظاهرة، فالأمر في احتياج إدراكه إلى آلات جسمانيّة واضح سهل.
وذلك لأنّ هذه الصّورة إنّما تدرك ما دامت الموادّ حاضرة موجودة، والجسم الحاضر الموجود إنّما يكون حاضراً موجوداً عند جسم، وليس يكون حاضراً مرّة وغائباً أُخرى عندما ليس بجسم، فإنّه لا نسبة له إلى قوّة مفردة من جهة الحضور عنده والغيبة عنه.
فإنّ الشيء الّذي ليس في مكان لا تكون للشّيء المكاني إليه نسبة بالحضور عنده والعينيّة عنه، بل الحضور لا يقع إلاّ على وضع وبعد للحاضر عند المحضور.
وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسماً إلاّ أن يكون المحظور جسماً، أو في جسم.
وأمّا المدرك للصّور الجزئيّة على تجريد تامّ من المادّة، وعدم تجريد ألبتة من العلائق المادّية كالخيال، فيحتاج أيضاً إلى آلة جسمانيّة، فإنّ الخيال لا يمكنه أن يتخيّل إلاّ أن ترتسم الصّورة الخياليّة فيه في جسم ارتساماً مشتركاً بينه وبين الجسم; فإنّ الصّورة المرتسمة في الخيال من صورة شخص زيد على شكله وتخطيطه، ووضع اعضائه، بعضها عند بعض الّذي يتميّز في الخيال، كالمنظور إليها لا يمكن أن تتخيّل على ما هي عليه إلاّ أن يكون تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم