شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٢٩٦ - الحكم الثّاني في أنّ الأفلاك غير موصوفة بالكيفيّات الفعليّة والإنفعاليّة
فلِمَ لاَ يجوز أن يقتضي جسم ميلاً مستقيماً عند إحدى حالتيه، وميلاً مستديراً عند الحالة الأُخرى؟ وذلك لأنّ الطّبيعة الواحدة إنّما لا تقتضي أمرين بانفرادها، أمّا بحسب اعتبارين فقد تقتضي.
قلنا: إنّ اقتضاء الحركة والسّكون بالحقيقة شيءٌ واحدٌ يقتضيه الطّبيعة الواحدة، وذلك الشّيء هو استدعاء المكان الطّبيعيّ فقط، فإن كان غير حاصل، فذلك الإستدعاء يستلزم حركة تحصله، وإن كان حاصلاً، فهو بعينه يستلزم سكوناً، ومعناه أنّه لا يستلزم حركة، فهو إذن ليس بشيء آخر غير ما اقتضته أوّلاً; أي عند الحركة .
فإنّ اقتضاء الحركة إنّما كان حينئذ لكونها وسيلة إلى الحصول في المكان الطّبيعي، وظاهر أنّ استدعاء الوسيلة إنّما هو لأجل ما هو وسيلة إليه، فهي مطلوبة بالعرض، فالمطلوب الّذات عند الحركة والسّكون كليهما شيءٌ واحدٌ غيرُ مختلف ألبتة.
فأمّا اقتضاء الحركة المستديرة، فهو أمرٌ مغايرٌ لاستدعاء المكان الطّبيعي وليس أحدهما وسيلة إلى الآخر، إذ ليس في الأمكنة مكانٌ طبيعيٌّ، ولا في الأوضاع وضعٌ طبيعيٌّ يطلبه المتحرّك على الإستدارة، بل المطلوب بالحركة المستديرة أمرٌ عقليٌّ خارجٌ عن جنسِ المطلق بالحركة المستقيمة، ولذلك أُسندت إحدى الحركتين إلى الطّبيعة، بخلاف الأُخرى، فإذن ليس مبدؤهما شيئاً واحداً .
وبالجملة: فالحركة المستقيمة والمستديرة أمران مختلفان بالذّات،