أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٢ - الثالث المصالح المرسلة
و من هنا يظهر أنّ الاستحسان إذا بلغ حدّ المستقلّات العقليّة و شبهها كان حجّة، و لكن الاستحسانات الظنّية التي تدور عليها كلماتهم لا دليل على حجّيتها أصلًا، مضافاً إلى أنّ العدل و الظلم لهما مصاديق كثيرة ربّما تشمل شيئاً من أحكام الشرع كالزنا و السرقة و الخيانة و الكذب و الغيبة و السبّ و الجناية على الأنفس و الأعضاء و الغشّ في المعاملة و غير ذلك من أشباههما، فإنّها تدخل في هذا المعنى.
و منها: الاستدلال بسيرة الصحابة من زمن النبي ٦ القائمة على تشريعهم ما رأوا إنّ فيه تحقيق المصلحة بعد أن طرأت بعد وفاة النبي ٦ حوادث وجدت لهم طوارئ، فأبو بكر جمع القرآن في مجموعة واحدة، و حارب مانعي الزّكاة، و درأ القصاص عن خالد بن الوليد، و عمر أوقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة و وقف تنفيذ حدّ السرقة في عام المجاعة، و قتل الجماعة في الواحد، و عثمان جدّد أذاناً ثانياً لصلاة الجمعة.
و فيه أوّلًا: أنّ هذه السيرة لا تصل إلى زمن النبي ٦.
و ثانياً: لا تتكوّن السيرة من مجرّد نقل موارد شخصية من أشخاص معدودين.
و ثالثاً: أنّ الموارد المذكورة غالباً تكون من باب الاجتهاد في مقابل النصّ مثل إيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مع أنّ المفروض كون الاستحسان استصلاحاً في ما لا نصّ فيه.
هذا في أدلّة المثبتين.
و استدلّ النافون منهم بوجوه عديدة أهمّها ثلاثة أوجه:
الوجه الأوّل: (و هو أحسن الوجوه) ما ذكره العضدي و الحاجبي (ابن الحاجب) في مختصر الاصول [١] و هو «أنّ المصالح المرسلة تقدّمت لنا لا دليل فوجب الردّ» (أي حيث إنّه لا دليل على حجّية المصالح المرسلة، فيجب ردّها و ليست بحجّة) ثمّ نقل ما مرّ من الدليل على الحجّية مع الردّ عليه فقال: «قالوا لو لم تعتبر لأدّى إلى خلوّ الوقائع، قلنا: بعد تسليم أنّها لا تخلو العمومات و الأقيسة تأخذها» و قال العضدي في شرح هذا الكلام أوّلًا: إنّا لا نقبل خلوّ
[١] للحاجبي المتوفّى في القرن السابع، و شرحه العضدي الشافعي، و كلّ من المؤلّف و الشارح معنون في علم الرجال بعنوان عالم اصولي.