أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٩٠ - الثالث المصالح المرسلة
فمن هذا المثال أيضاً يستفاد أنّ المراد من المصالح المرسلة هي المصالح على مذاقّ الشرع، لأنّ المستفاد من مجموع الأحكام الشرعيّة أنّ حفظ كيان الإسلام أهمّ عند الشارع من حفظ النفوس المحترمة.
هذا- و لا بدّ هنا من إضافة نكتتين غفل عنهما في كلماتهم:
إحداهما: في الفرق بين الاستحسان و المصالح المرسلة، فالظاهر أنّ في استحسان شيء يكفي مجرّد أن يستحسنه الطبع و الفطرة من دون أن يلحظ أنّ فيه مصلحة أو مفسدة، لأنّ الحسن و القبح في الأفعال كالحسن و القبح في الطبيعة (كحسن صوت العندليب و قبح صوت الحمار) له مبدأ فطري لا حاجة فيهما إلى درك المصلحة أو المفسدة، بينما في المصالح المرسلة الحاكم هو العقل و البرهان لا الطبع و الفطرة و إن استعملا (الاستحسان و المصالح المرسلة) في بعض الكلمات في معنى واحد.
الثانية: أنّ ما ذكرنا في الاستحسان من تقسيمه إلى القطعي و الظنّي يجري هنا أيضاً، فالمصالح المرسلة أيضاً تارةً يكون حكم العقل بها قطعيّاً (أي القطع بوجود المقتضي و فقد المانع) فيكون حجّة بلا ريب، و اخرى يكون ظنّياً فلا دليل على حجّيته.
أمّا الأقوال في المسألة، فاختلف العامّة في حجّيتها، و عمدة الأقوال فيها ثلاثة:
الأوّل: قول الشافعي بإنكارها حيث حكى عنه عبارتان معروفتان:
إحداهما: «أنّه من استصلح فقد شرع كمن استحسن».
ثانيهما: «إنّ الاستصلاح كالاستحسان متابعة الهوى» [١].
الثاني: قول مالك بإثباتها و حكي عنه أيضاً عبارة و هي «أنّ الاستصلاح طريق شرعي للاستنباط فيما لا نصّ فيه و لا إجماع» [٢].
الثالث: ما حكي عن الغزالي من التفصيل بين الضروريات و بين الحاجيات و التحسينيات، و المراد من الضروريات ما لا يمكن حياة الإنسان إلّا به، و المراد من الحاجيات أنواع المعاملات التي توجب رفع بعض الحاجات و إن كانت حياة الإنسان ممكنة بدونها، و المراد من التحسينيات غير الضروريات و الحاجيات من أنواع اللذائذ المشروعة التي
[١] راجع الاصول العامّة: ص ٣٨٥.
[٢] المصدر السابق: ص ٣٨٤.