أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٩ - الثالث المصالح المرسلة
المعلّمة بسؤر الحيوان المفترس (الذي لا إشكال في نجاسته عندهم) و حكمه بنجاسته فهو قياس جلي، و قياس بعض آخر إيّاه بسؤر الإنسان و الحكم بطهارته فهو قياس خفي، و قد ذكروا هنا وجوهاً لرفع التعارض بين القياسين لا طائل تحتها، و هذا المعنى من الاستحسان مبني على قبول حجّية القياس الظنّي و قد مرّ نفيه.
منها: أنّ الاستحسان بمعنى النصّ كما حكوا عن بعض أئمّتهم أنّه قال: إنّا أثبتنا الرجم بالاستحسان لكونه منصوصاً من طرق الفريقين فاطلق الاستحسان على النصّ.
منها: أنّ الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين و هو على أربعة أقسام:
١- الأخذ بأقوى الظهورين مثل تقديم الخاصّ على العام، أو النصّ على الظاهر، و هذا داخل في باب حجّية الظواهر و لا كلام فيه.
٢- الأخذ بالمرجّحات المنصوصة كالأخذ بما وافق الكتاب.
٣- الأخذ بالأهمّ القطعي في مقابل المهمّ في باب التزاحم، و هذا داخل في الدليل العقلي و لا إشكال فيه أيضاً.
٤- الأخذ بالأقوى و الأهمّ الظنّي، و هو ليس حجّة عندنا مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل.
هذا كلّه في الاستحسان.
الثالث: المصالح المرسلة
و قد ذكر لها معانٍ مختلفة بل لعلّها متضادّة لكن ما يستفاد من أكثر الأدلّة التي ذكرت لها هو أنّ المراد من المصالح هي مصالح العباد و مضارّهم على مذاقّ الشرع، و المراد من المرسلة هي المصالح التي لم يرد فيها نصّ خاصّ و لا عامّ، أي أنّها ارسلت و اطلقت و لم يرد عليها شرع لا في العمومات و لا في الخصوصات، و مثّل لها في كلمات الغزالي بتترس الكفّار بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا و غلبوا على دار الإسلام و قتلوا كافّة المسلمين، ثمّ يقتلون الاسارى أيضاً، و لو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً، و هذا لا عهد به في الشرع، فيجوز لقائل أن يقول: هذا الأسير مقتول على كلّ حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، فيحكم العقل هنا بوجوب رمي الترس من باب تقديم الأهمّ على المهمّ.