أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٦ - الثاني الاستحسان
ثانياً: المحتمل في المراد من «القول» في قوله تعالى: «و يستمعون القول» وجهان:
أحدهما: أنّ المراد منه هو قول الناس، الثاني: أنّ المراد هو آيات القرآن الكريم، فقد احتمل المعنى الثاني بعض المفسّرين ببيان أنّ القرآن مشتمل على مستحبّات و واجبات و مكروهات و مباحات، و الواجبات و المستحبّات أحسن من المكروهات و المباحات، و عباد اللَّه تعالى يتّبعون الواجبات و المستحبّات، و هذا هو المراد باتّباع الأحسن، فإن كان هذا هو المراد من الآية فلا دخل لها بما نحن بصدده و هي أجنبية عنه.
و أمّا المعنى الأوّل فلازمه أنّ عباد اللَّه يتّبعون أحسن أقوال الناس، فإنّها تنقسم إلى الحقّ و الباطل، و من الناس من يدعوا إلى الجود و السخاء مثلًا، و منهم من يدعوا إلى البخل و الإقتار.
و عباد اللَّه يتّبعون الأحسن منهما و هو الجود و الإيثار، و حينئذٍ إن قلنا بأنّ المراد من الأحسن هو الأحسن في نظر الشارع فلا ربط للآية أيضاً بمحلّ البحث، و إن كان المراد منه الأحسن في نظر العقل فهو داخل في المستقلّات العقليّة و لا يشمل موارد الظنّ.
هذا كلّه بالنسبة إلى الآية الاولى.
أمّا الآية الثانية فلها أيضاً تفسيران: أحدهما: أنّ المراد من الأحسن هو أحسن الآيات التي أُنزل إليكم، و حينئذٍ لا ربط أيضاً لها بالمقام.
ثانيهما: أنّ المراد منه القرآن و إنّه أحسن من التوراة و الإنجيل و غيرهما من الكتب السماويّة و هذا أيضاً لا دخل له بما هو محلّ النزاع كما هو واضح.
هذا كلّه هو الاستدلال بالآيات.
أمّا السنّة: فقد روي عن ابن مسعود أنّه قال: «إنّ اللَّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد ٦ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته ثمّ نظر في قلوب العباد بعد قلب محمّد ٦ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء لنبيّه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند اللَّه حسن، و ما رأوا سيّئاً فهو عند اللَّه سيئ» [١].
و هذه الرّواية غير تامّة سنداً و دلالة أمّا السند: فهي موقوفة (أي موقوفة على ابن مسعود و لم يروها أحد عن رسول اللَّه ٦ فليست بحجّة.
[١] مسند أحمد: ج ١، ص ٣٧٩.