أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٦ - الأقوال في المسألة
و يرد عليه:
أوّلًا: ما مرّ في مبحث الأوامر من عدم اعتبار قصد الأمر في تحقّق قصد القربة بل يكفي قصد كونه للَّه تعالى و قصد حسنه الذاتي.
و ثانياً: أنّ المدّعى في المقام هو حسن الفعل في ظرف الامتثال لا حسنه في ظرف التكليف، و أمر الشارع و إلزامه متوقّف على الأوّل لا الثاني، و لا إشكال في أنّ حسن الفعل حاصل في ظرف الامتثال، هذا- مضافاً إلى أنّه بالتأمّل يظهر أنّ أكثر هذه الإشكالات مربوطة بعكس القضية، و هي «كلّ ما حكم به الشرع حكم به العقل»، و قد مرّ أنّ المدّعى و المختار هو الأصل و العكس معاً.
هذا كلّه في القول الثالث.
و أمّا القول الرابع: و هو ما ذهب إليه بعض فضلاء العصر من التفصيل بين ما إذا تطابقت آراء العقلاء على مصلحة أو مفسدة و بين ما إذا لم تتطابق آرائهم على ذلك، فقال في مقام توجيهه و الاستدلال عليه بما نصّه: «الحقّ أنّ الملازمة ثابتة عقلًا فإنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه (أي إنّه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعاً بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام و بقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك) فإنّ الحكم هذا يكون بادئ رأي الجميع فلا بدّ أن يحكم الشارع بحكمهم لأنّه منهم بل رئيسهم فهو بما هو عاقل (بل خالق العقل) كسائر العقلاء لا بدّ أن يحكم بما يحكمون و لو فرضنا أنّه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادئ رأي الجميع (حاصل رأي الجميع) و هذا خلاف الفرض» [١] بل في مثل هذه الحالة صرّح في موضع آخر من كلامه بأنّ «حكم العقل حينئذٍ عين حكم الشارع لا أنّه كاشف عنه» و قال في محلّ آخر ما نصّه: «و على هذا فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعيّة فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر و لم يكن إدراكه مستنداً إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء فإنّه (أعني العقل) لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل أنّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل، أو أنّ
[١] اصول الفقه: المجلّد الأوّل (ص ٢٣٧، طبع دار النعمان بالنجف، الطبعة الثانية) للعلّامة المحقّق الشيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله).