أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٣ - المقام الأوّل هل للأشياء حسن و قبح ذاتاً؟
المقام الأوّل: هل للأشياء حسن و قبح ذاتاً؟
فلا بدّ فيه أوّلًا من تعريف الحسن و القبح إجمالًا، فنقول: المراد من حسن الفعل و قبحه ما يستحقّ المدح أو الذمّ على إتيانه، فالنزاع عنهما مقصور في عالم الأفعال و لا يشمل عالم التكوين، فإنّه لا إشكال في أنّ هناك أشياء حسنة كحسن جمال يوسف و حسن صوت العندليب و حسن كواكب السماء و غيرها، كما أنّ هناك أشياء قبيحة من قبيل قبح صوت الحمير و غيره، فالبحث في المقام مرتبط بحسن الأفعال و قبحها لا حسن الأشياء التكوينيّة و قبحها.
نعم، لا إشكال في أنّ حسن الفعل أو قبحه ناشٍ من شيء تكويني حسن أو شيء تكويني قبيح لا محالة، فالاحسان حسن لأنّه موجب لكمال الفرد و المجتمع خارجاً، و الظلم قبيح لأنّه موجب لنقصانهما كذلك، و هذا هو الذي يعبّر عنه في أيّامنا هذه بأنّ لزوم الأفعال و لزوم تركها يرتبطان بالوجودات و الاعدام الخارجيّة التكوينيّة، و ينشآن منهما (و يعبّر عنه أيضاً بارتباط معرفة الكون و الايدئولوجي) فقتل النفس قبيح لأنّه يوجب حرمان إنسان من الوجود، و إشباع العطشان بالماء حسن لإيجابه إحياء النفس، و الأوّل نقص و الثاني كمال في عالم التكوين.
نعم، قد يختلف الكمال و النقص بحسب الآراء و الأنظار، فالإنسان الإلهي يرى الكمال في القرب إلى اللَّه تعالى و النقص في البعد عنه حينما يريهما الإنسان المادّي في رفاه العيش و عدمه، و هناك امور مشتركة بين جميع المذاهب البشريّة مثل حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان.
إذا عرفت ما ذكرنا من معنى الحسن و القبح نقول: لا إشكال في حسن الأفعال و قبحها ذاتاً و يدلّ عليه امور:
الأوّل: الوجدان، فإنّ وجدان كلّ إنسان يحكم بأنّ هناك أفعالًا حسنة ذاتاً و أفعالًا اخرى قبيحة كذلك، و المنكر ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان، نظير ما يقال في باب الجبر و الاختيار في علم الكلام في قبال الجبريّة، و في باب أصل وجود أشياء في عالم الخارج في الفلسفة من أنّ الوجدان أصدق شاهد على اختيار الإنسان و وجود الواقع الخارجي، و بالجملة إنّا ندرك حسن العدل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان و لو لم تكن هناك شريعة.