أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٧ - الدليل الثاني السنّة
متواترة إجمالًا يقتضي حصول العلم الإجمالي بصدور واحد من الأخبار على الأقلّ، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منها، و هو أخصّها مضموناً، و من المعلوم أنّ أخصّها مضموناً هو المخالف للكتاب و السنّة (سنّة محمّد ٦ معاً فيختصّ عدم الحجّية بذلك بنحو قضيّة السالبة الجزئيّة، و هذا لا يضرّ بمدّعى المثبتين، أي اعتبار خبر الواحد في الجملة لأنّ السالبة الجزئيّة لا تنافي الموجبة الجزئيّة.
ثمّ إنّ المراد من المخالفة هل هي المخالفة على نحو التباين، أو العموم من وجه؟
الصحيح هو الأوّل، لأنّه لا إشكال في صدور مخصّصات خصّصت بها عمومات الكتاب و يستلزم من طرحها رفع اليد عن كثير من الأحكام الشرعيّة، نظير ما ورد في قبال عموم قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و يدلّ على شرطيّة عدم الجهل في المبيع و غير ذلك من الشرائط الشرعيّة المجعولة في العقود، و هي كثيرة جدّاً، و نظير ما ورد في قبال إطلاق قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ» ممّا يدلّ على النصاب و المقدار و الحول و غيرها.
إن قلت: المخالفة على نحو التباين الكلّي لا يوجد لها مصداق في جوامع الحديث التي بأيدينا اليوم، و هذا لا يناسب كثرة الرّوايات الدالّة على طرح الخبر المخالف للكتاب و شدّة اهتمام الأئمّة : به.
قلنا: الأخبار الموجودة في كتب الحديث في يومنا هذا قد خرجت من مصافٍ عديدة تحت أيدي مؤلّفي هذه الكتب كالشيخ الطوسي (رحمه الله) و الشيخ الصدوق و الكليني (رحمه الله) فمن المسلّم صدور روايات متباينة مع الكتاب و السنّة قبل تأليف هذه الجوامع.
هذا مضافاً إلى وجود روايات متباينة بين الرّوايات الموجودة حاليّاً أيضاً مثل ما نسب إلى أمير المؤمنين علي ٧ أنّه قال: أنّي خالق السموات و الأرض ... الخ»، لأنّ هذا مخالف لصريح آيات الكتاب ممّا ينسب الخلق إلى اللَّه تعالى فقط، و مثل رواية تدلّ على «أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله» [١]، و هو مخالف لصريح قوله تعالى: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» إلّا أن
[١] يمكن أن يقال: إنّ هذه الرّواية ليست مخالفة لتلك الآية، لأنّ وزر الأهل ليس وزراً اخرى للإنسان بل يعدّ وزراً لنفس الإنسان و وزر عمله بالنسبة إلى أهله.