أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٠ - ١- دليل حجّية الإجماع عند العامة
حينئذٍ العطف ب «أو» مع أنّه عطف بالواو، و هو ظاهر في مطلق الجمع، و لازمه التفسير و التوضيح.
٥- قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى» دليل آخر على المقصود، حيث إنّه يدلّ على أنّ الكلام في الضلالة بعد الهداية، فيوجب ظهور قوله: «و يتّبع ...» في كونه تفسيراً لاتّباع الضلالة بعد تبيّن الهداية.
فظهر من مجموع هذه القرائن و الشواهد أنّ الآية لا دخل لها بالإجماع في الأحكام الفرعيّة، بل ناظرة إلى المسائل الاصوليّة (اصول الدين).
و هاهنا آيات اخر استدلّوا بها على حجّية الإجماع أيضاً، منها قوله تعالى: «وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» [١] بتقريب أنّ الوسط هو العدل و الخير، و العدل أو الخير لا يصدر عنه إلّا الحقّ، و الإجماع صادر عن هذه الامّة العدول الخيار فليكن حقّاً.
و الجواب عنها واضح، لأنّ المراد من الوسط هو الاعتدال و السلامة من طرفي الإفراط و التفريط، و لا إشكال في أنّ هذه الامّة بالنسبة إلى أهل الكتاب و المشركين على هذا الوصف فإنّ بعضهم و هم المشركون و الوثنيّون مالوا إلى تقوية جانب الجسم محضاً لا يريدون إلّا الحياة الدنيا، و بعضهم كالنصارى اهتمّوا بتقوية جانب الروح لا يدعون إلّا الرهبانيّة، لكن اللَّه سبحانه جعل هذه الامّة وسطاً و جعل لهم ديناً يهدي إلى وسط الطرفين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، كما يهدي إلى أنّه لا تعطيل و لا تشبيه و لا جبر و لا تفويض.
و معنى «شهداء على الناس» أنّ هذه الامّة لكونها وسطاً يمكن لها أن تكون شهيدة على سائر الامم الواقعة في طرفي الإفراط و التفريط، و اسوة و مثالًا لهم يقاس و يوزن بها كلّ من الطرفين، كما أنّ النبي ٦ هو الاسوة و المثال الأكمل لهذا الامّة و ميزان يوزن به حال الآحاد من الامّة.
فإذا كان هذا هو معنى الآية فلا ربط لها بمسألة الإجماع في الأحكام الفرعيّة كما هو ظاهر، مضافاً إلى أنّ الامّة عام أفرادي يشمل آحاد الامّة فيكون كلّ واحد من الامّة شاهداً
[١] سورة البقرة: الآية ١٤٣.