أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨ - ١- الكلام في مفهوم الشرط
المختار في المسألة: التفصيل بين الحالات المختلفة للشرط، فنقول مقدّمة: لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على الأقلّ على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط في الجملة بالتبادر و الوجدان، و إلّا لو كان الحكم ثابتاً على أي تقدير لاستلزم كون تعليقه على الشرط لغواً كما لا يخفى.
إذا عرفت هذا فاعلم: إنّه لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم و العلّية المنحصرة فيما إذا كان الشرط من ضدّين لا ثالث لهما، نحو «المخبر إن كان فاسقاً فتبيّن» حيث إنّه لا يتصوّر بالنسبة إلى المخبر حالة اخرى غير الفسق و العدل فلا ثالث لهما فيه، فإنّ مقتضى دلالة القضيّة الشرطيّة على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة دلالتها على المفهوم في هذه الصورة كما لا يخفى، و نظير المثال المزبور قولك: «الإنسان إن كان مسافرا فعليه القصر» أو «إن كان مستطيعاً فعليه الحجّ» حيث لا ثالث للمسافر و الحاضر، و لا للمستطيع و غير المستطيع.
و أمّا إذا كان للشرط حالات عديدة كما في قوله ٧ «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» حيث يتصوّر للماء إذا لم يكن كرّاً أن يكون مطراً أو جارياً أو ماء بئر أو غيره، فهو بنفسه على صورتين فتارةً يوجد فيها قدر متيقّن كالماء القليل في المثال، فلا شكّ أيضاً في دلالة القضيّة الشرطيّة حينئذٍ على المفهوم بالنسبة إليه، و إلّا يلزم اللغويّة و رفع اليد عن دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة، و اخرى لا يوجد فيها قدر متيقّن كأن يقول الشارع «إذا دخل شهر رمضان فصوموا» حيث نعلم أنّ لرمضان دخلًا في حكم الصّيام، و هو ينتفي عند انتفائه إجمالًا، و إلّا كان الصّيام واجباً في تمام أيّام السنة و لم يكن تعليقه بدخول شهر رمضان صحيحاً (كما لا يصحّ تعليق وجوب الصّلاة مثلًا بدخوله، فيقال: «إذا دخل شهر رمضان فصلّوا» لوجوب الصّلاة في جميع أيّام السنة)، ففي هذه الصورة لا مفهوم صريحاً مشخّصاً للقضيّة لعدم تصوّر قدر متيقّن فيها بل لها مفهوم مبهم إجمالي لا يستفاد منه حكم متعيّن مخالف للمنطوق، فنعلم إجمالًا في المثال المزبور عدم وجوب الصّيام في بعض شهور السنة.
فظهر أنّ الحقّ في المسألة هو التفصيل بين الصورتين الأوّليين و الصورة الثالثة و ثبوت المفهوم في الأوليين و عدمه في الثالثة.
و يمكن تقرير هذا ببيان آخر مرّ تفصيله في البحث عن الواجب المشروط و البحث عن حقيقة مفهوم «إنْ» الشرطيّة (و باللغة الفارسيّة مفهوم «اگر») فقد قلنا هناك أنّ حقيقة هذه