أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦ - ١- الكلام في مفهوم الشرط
للحكم كما في قوله ٧: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» فإنّ مقتضى إطلاق الشرط أنّ الكرّيّة مؤثّرة في العاصميّة من دون أن يكون شيء آخر دخيلًا فيه، و إلّا لكان عليه البيان، فالقيد هو دخل شيء آخر في موضوع الكرّيّة، و عدم بيانه مع كونه في مقام البيان يفيد أنّ الكرّيّة تمام الموضوع للعاصميّة، و أمّا كون شيء آخر موضوعاً للحكم أيضاً فلا يوجب تقييداً في هذا الموضوع بوجه لكي نستفيد من عدم بيانه انحصار الحكم في هذا الموضوع.
و بعبارة اخرى: كون الكرّ علّة منحصرة في العاصميّة و عدمه لا دخل له و لا تأثير له في العلقة الموجودة بين الكرّيّة و العاصميّة، فإنّ الكرّيّة تمام الموضوع للعاصميّة سواء كانت العاصميّة منحصرة فيها أم لا، فلا يكون عدم الانحصار قيداً لعاصميّتها، و لا يقتضي الإطلاق انحصار العلّة.
و ثانياً: قد مرّ أنّ المستفاد من الجملة الشرطيّة إنّما هو مطلق التلازم بين الشرط و الجزاء أعمّ من أن يكون من باب التلازم بين العلّة و المعلول أو من باب التلازم بين معلولي علّة واحدة، فلا يكون مفاده منحصراً في العلّية حتّى يتكلّم في انحصارها أو عدم انحصارها.
البيان الثاني: أنّ عدم كون العلّة منحصرة يقتضي قيداً في الكلام، لأنّ معناه حينئذٍ أنّ هذا الشرط (و هو الكرّيّة مثلًا) مؤثّر في الجزاء (و هو العاصميّة مثلًا) إذا لم تتحقّق قبلها علّة اخرى مثل كون الماء جارياً، و أمّا إذا كانت العلّة منحصرة فمعناه أنّ هذا الشرط يؤثّر في الجزاء مطلقاً سواء حصل قبله وصف الجريان أم لا، فلا حاجة حينئذٍ إلى تقييد شيء، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان و لم يأت بالقيد المزبور (أي عدم تحقّق علّة اخرى فيما قبل) كان المستفاد من إطلاق كلامه انحصار العلّة في الشرط.
و يرد عليه أيضاً:
أوّلًا: ما مرّ آنفاً من أنّ غاية ما يستفاد من القضيّة الشرطيّة إنّما هو مطلق التلازم بين الشرط و الجزاء لا خصوص التلازم الموجود بين العلّة و المعلول.
و ثانياً: سلّمنا كون المستفاد من الجملة الشرطيّة هو العلّة و التلازم الموجود بين العلّة و المعلول، لكنّها تكون على حدّ العلّية الاقتضائيّة لا الفعليّة، أي يستفاد من قوله ٧ «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء» إمكان أن تكون الكرّيّة علّة لعدم التنجّس و العاصميّة، لا أنّها علّة لها فعلًا حتّى ينافي حصول علّة اخرى من قبل.