أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٤ - الفصل الثاني عشر الكلام في النسخ و البداء
أقول: لو حاولنا النقاش في هذه التعاريف فيمكن المناقشة في كلّ منها، فمثلًا بالنسبة إلى التعريف الأخير (و هو للمحاضرات) يمكن أن يقال: إنّ الصحيح هو التعبير برفع الحكم لا رفع الأمر، و أيضاً لا وجه لتخصيصه النسخ بالشريعة المقدّسة بل إنّه ثابت بين العرف و العقلاء أيضاً في أحكامهم، كما أنّ هذا الإشكال يرد على تعريف المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً لأنّ تعبيره بالدفع يتصوّر في دائرة الشرع، و أمّا في دائرة الموالي العرفيّة و عبيدهم فإنّ النسخ هو الرفع لا الدفع كما لا يخفى، و هكذا بالنسبة إلى كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) حيث إنّه أيضاً خصّص النسخ في تعريفه بدائرة الشرع، و الأحسن أن يقال: النسخ، رفع حكم تكليفي أو وضعي مع بقاء موضوعه (ثبوتاً أو إثباتاً).
ثمّ إنّه هل يجوز النسخ في حكم اللَّه تعالى أو لا؟ المشهور أو المجمع عليه بين المسلمين جوازه و نسب إلى اليهود و النصارى أنّه مستحيل، و استدلّ لذلك بأنّه إمّا إن كان الحكم المنسوخ ذا مصلحة فلا بدّ من دوامه و بقائه و لا وجه لنسخه و إزالته، و أمّا إن لم يكن ذا مصلحة فاللازم عدم جعله ابتداءً إلّا إذا كان الجاعل جاهلًا بحقائق الامور، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، كما أنّ النسخ في الأحكام العرفيّة أيضاً يرجع إلى أحد الأمرين: إمّا إلى جهل الجاهل من أوّل الأمر بعدم وجود المصلحة في الحكم، و إمّا إلى جهله بعدم دوام المصلحة و عدم كونه عالماً بالمستقبل، و بما أن اللَّه تعالى لا يتصوّر فيه الجهل بالمستقبل حدوثاً و بقاءً يستحيل النسخ بالنسبة إليه كما لا يخفى.
و الجواب عن هذا معروف، و هو أنّه لا إشكال في أن يكون لشيء مصلحة في زمان دون زمان آخر كالدواء الذي نافع للمريض يوماً و ضارّ يوماً آخر، كما أنّ الرجوع إلى التاريخ و شأن نزول الآيات في قصّة القبلة يرشدنا إلى هذه النكتة، و حينئذٍ يكون النسخ بمعنى انتهاء أمد الحكم و زوال المصلحة، و من هنا ذهب المشهور إلى أنّ النسخ دفع الحكم لا رفعه، كما أنّ المعروف كون النسخ تخصيصاً للعموم الأزماني لأحكام الشرع ظاهراً، و لكنّ الإنصاف أنّ بقاء الأحكام مستفاد من طبيعتها و أنّ النسخ في الحقيقة رفع لا دفع.
توضيح ذلك: أنّ الأحكام الإنشائيّة على أقسام فتارةً يكون من الأحكام التكليفيّة كالوجوب و الحرمة، و اخرى من قبيل الأحكام الوضعيّة كالملكيّة و الزوجيّة، و ثالثة من قبيل المناصب المجعولة كمنصب القضاوة و الوزارة، و كلّ واحد من هذه الثلاثة قد يكون موقتاً