أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٠ - الفصل الحادي عشر الكلام في حالات العام و الخاصّ
و كالتقيّة لحفظ النفس أو المال أو غيرهما في الأوامر الشرعيّة، و حينئذٍ يجوز النسخ قبل العمل بلا ريب كما لا يخفى.
هذا كلّه في المسألة الاولى من المسائل الثلاثة، و هي جواز النسخ قبل العمل و عدمه.
المسألة الثانية: و هي تأخير البيان عن وقت الحاجة فالوجه في عدم جوازه يمكن أن يكون واحداً من الثلاثة:
أحدها: الإلقاء في المفسدة كما إذا قال: أكرم العلماء، و لم يستثن زيداً العالم مع أنّه كان خارجاً عن حكم الإكرام عنده و كان إكرامه ذا مفسدة في الواقع، فإنّه حينئذٍ يوجب إلقاء العبد في تلك المفسدة.
ثانيها: تفويت المصلحة كما إذا قال: لا تكرم الفسّاق، و كان إكرام الضيف مثلًا ذا مصلحة في الواقع و لم يستثنه فإنّه يوجب تفويت تلك المصلحة.
ثالثها: الإلقاء في الكلفة كما إذا قال: أكرم جميع العلماء، و لم يكن إكرام جماعة منهم واجباً مع أنّ إكرامهم يستلزم تحمّل المشقّة الزائدة للعبد.
فبناءً على أحد هذه الامور لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، نعم قد يجوز التأخير فيما إذا كانت هناك مصلحة أقوى كالمصلحة الموجودة في تدريجية الأحكام الشرعيّة فلا إشكال حينئذٍ في أنّ العقل حاكم على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما لا يخفى.
المسألة الثالثة: و هي أنّ الدوام و الاستمرار الزماني في الأحكام هل يستفاد من العموم الأزماني للأدلّة، أو يستفاد من مقدّمات الحكمة، أو يكون مقتضى أصل عملي و هو الاستصحاب؟ فقال بعض بأنّه لا دليل عليه إلّا أنّه مقتضى استصحاب بقاء الأحكام، و حيث إنّه أصل عملي و عموم العام أصلي لفظي فلا يقع تعارض بينهما بل يقدّم العموم على الاستصحاب دائماً، وعليه إذا ورد العام بعد الخاصّ و بعد حضور وقت العمل بالخاصّ يقدّم العام على الخاصّ و تكون النتيجة تقديم النسخ على التخصيص.
لكنّ الإنصاف أنّ الاستمرار الزماني يستفاد من طرق اخرى لفظيّة فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب:
أحدها: مقدّمات الحكمة فيما إذا قال مثلًا: «للَّه على الناس حجّ البيت» و لم يقيّده بزمان خاصّ فنستفيد من إطلاقه الدوام و الاستمرار.