أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٨ - الفصل الحادي عشر الكلام في حالات العام و الخاصّ
النسخ قبل العمل قبيحاً للمولى الحكيم، و المثال واضح.
الصورة الخامسة: أن يكون العام بعد الخاصّ و غير مقارن له و ورد بعد حضور وقت العمل بالخاصّ، فيدور الأمر فيها بين النسخ و التخصيص لجواز كلّ منهما عند الكلّ، أمّا التخصيص فلعدم استلزامه تأخير البيان عن وقت الخطاب أو الحاجة، و أمّا جواز النسخ فلكونه بعد حضور وقت العمل بالخاصّ، و المشهور على ترجيح التخصيص على النسخ، فيقدّم عليه و ذلك لندرة النسخ و شيوع التخصيص كما مرّ، و بعبارة اخرى: ظهور الخاصّ في الدوام الأزماني أقوى من ظهور العام في العموم الافرادي.
هذه صور خمسة لما إذا كان تاريخ كلّ من العام و الخاصّ معلوماً، و هناك صورة سادسة و هي ما إذا كان التاريخ مجهولًا من دون أن يكون فرق بين ما إذا كان تاريخ كليهما مجهولًا و ما إذا كان تاريخ أحدهما مجهولًا، و لا يخفى أنّ هذه الصورة تأتي فيها جميع الاحتمالات الخمسة المذكورة، و بما إن الحكم كان في بعضها النسخ و هو الصورة الثالثة على مبنى القوم، فيتردّد الأمر في هذا القسم بين النسخ و التخصيص على مبنى القوم، و يصير الحكم مبهماً من ناحية الاصول اللفظيّة و حينئذٍ، تصل النوبة إلى الاصول العمليّة.
هذا كلّه بناءً على ما مشى عليه الأعلام فإنّهم تسالموا على ثلاثة اصول في المقام ليست مقبولة عندنا: أحدها: عدم جواز النسخ قبل العمل. ثانيها: عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ثالثها: إنّ دوام الأحكام هو مقتضى العموم الأزماني.
أمّا جواز النسخ قبل العمل فنقول: لا إشكال في جواز النسخ قبل العمل في الأوامر الامتحانية كما وقع في قضيّة ذبح إبراهيم ٧ ولده إسماعيل ٧ حيث كان الأمر فيه امتحانيّاً يحصل بنفس التهيّؤ للعمل فإذا وقع التهيّؤ و حضر وقته يحصل المقصود من الامتحان، و حينئذٍ يمكن النسخ، و لا إشكال في جوازه، و هو نظير ما إذا كلّف المولى عبده بالسفر و قد تهيّأ له قبل حضور وقته فحينئذٍ بما أن نفس التهيّؤ يكفي لتحقّق الامتحان و القبول فيه و بالإمكان أن يتحقّق قبل زمان الفعل يجوز للمولى أن ينسخ حكمه بلا إشكال.
أمّا إذا كانت الأوامر غير امتحانيّة فإنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) قسّمها على ثلاثة أقسام: الأوامر