التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - العرش و الكرسي
قال أبو جعفر الطبري: و أمّا الّذي يدلّ على صحّته ظاهر القرآن، فقول ابن عبّاس، الّذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، أنّه قال: هو علمه! و ذلك لدلالة قوله تعالى ذكره:
وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، على أنّ ذلك كذلك، فأخبر أنّه لا يئوده حفظ ما علم و أحاط به، ممّا في السماوات و الأرض. و كما أخبر عن ملائكته أنّهم قالوا في دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً[١]، فأخبر- تعالى ذكره- أنّ علمه وسع كلّ شيء، فكذلك قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.
قال: و أصل الكرسيّ العلم. و منه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كرّاسة. و منه قول الراجز في صفة قانص: «حتّى إذا احتازها تكرّسا» يعني: علم. و منه يقال للعلماء: الكراسيّ، لأنّهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني بذلك أنّهم العلماء الّذين تصلح بهم الأرض.
و منه قول الشاعر:
|
يحفّ بهم بيض الوجوه و عصبة |
كراسيّ بالأحداث حين تنوب |
|
يعني بذلك: علماء بحوادث الأمور و نوازلها.
و العرب تسمّي أصل كلّ شيء: الكرس. يقال: منه فلان كريم الكرس أي كريم الأصل. قال العجّاج:
|
قد علم القدّوس مولى القدس |
أنّ أبا العبّاس أولى نفس |
|
|
بمعدن الملك الكريم الكرس |
يعني بذلك: الكريم الأصل.
و يروى: في معدن العزّ الكريم الكرس[٢].
قال أبو إسحاق الثعلبي: رأيت في بعض التفاسير: كرسيّه: سرّه. و أنشدوا فيه:
|
ما لي بأمرك كرسيّ أكاتمه |
و هل بكرسيّ علم الغيب مخلوق[٣] |
|
[١] غافر ٤٠: ٧.
[٢] الطبري: ٣: ١٦.
[٣] الثعلبي ٢: ٢٣٢.