التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٧ - وقفة فاحصة عند قوله تعالى ليس عليك هداهم
و بعد فمن الجدير أن يتعرّض القرآن- هنا- لبيان جملة حقائق كبيرة، ذات أثر عميق في إقامة التصوّر الإسلامي على قواعده الرصينة، و في استقامة السلوك الإسلامي على طريقته النقيّة الزاهية: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
نعم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يكابد الأمرّين في مواجهته صناديد قريش و حميّتهم العمياء عن طريقة آبائهم في التيه و الضلال: قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ[١].
و في سورة الزخرف بعد ما يستنكر عليهم جملة من عادات جاهليّة جافية، ما أنزل اللّه لها من سلطان و لا أقرّها برهان، بعد ذلك جاء يؤنّبهم بموضع جهلهم و افتراءاتهم الظالمة:
وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ. بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ. وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
و دليلا على عنادهم هذا الفاضح و لجاجهم هذا العارم، يقارعهم بقارعة البرهان القامع: قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ أي تلحظون الفارق الكبير بين سفاسف الآباء، و هذه الحقائق الناصعة. فما كان جوابهم إلّا أن قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ و هذه غاية المعاندة و اللجاج. و من ثمّ تحتّم عليهم العذاب: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[٢].
و هذا عرض موجز لما كان يكابده الأنبياء، و لا سيّما نبيّ الإسلام، تجاه أهل الشقاء و الشقاق.
و من ثمّ وافته تلكم التسلّيات العديدة، لغرض الحطّ من همّه الشديد تجاه لجاج قومه، و كاد يتفجّر به لو لا أن تداركته عنايات ربّه المتواصلة. فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً[٣].
و أمثالها من آيات جاءت تسلّي خاطر النبيّ، فلا تذهب نفسه عليهم حسرات. كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
[١] المائدة ٥: ١٠٤.
[٢] الزخرف ٤٣: ٢٠- ٢٥.
[٣] الكهف: ١٨: ٦.