التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٢ - التجربة الثالثة
و احتجّ المشهور على قولهم، بالإجماع و عدم مزيّة لإبراهيم لو كان مجرّد تأليفه للطيور حتّى يأنسن به و يأتينه بالدعاء. كما ليس في فرض أبي مسلم إحياء لأموات، فلم يكن هناك استجابة لسؤال إبراهيم. و أخيرا فإنّ صريح التعبير هو جعل الأجزاء على الجبال، لا الطيور بأعيانها.
و أجاب أبو مسلم عن هذا الأخير، أنّ التعبير بالأجزاء، كان باعتبار العدد أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ أي بعضا من الأربعة[١].
قال الأستاذ عبده: إنّ فهم المفسّرين القدامى لا يصلح حجّة لفهم الآخرين، حيث سبيل الفهم سبيل العقل لا النقل و التقليد.
قال: و ما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة. و أمّا ما قاله المفسّرون فهو مأخوذ من روايات حكّموها على الآية، من غير أن تكون للآية دلالة على ذلك؟!
و أمّا قولهم: إنّ ما ذكره أبو مسلم غير مختصّ بإبراهيم، فلا مزيّة له فيه، فهو مردود بأنّ هذا المثال إنّما هو لكيفيّة إحياء الموتى و سرعة إجابتهم عند النداء يوم اللقاء، و ليس فيه إراءة معلومات عن سرّ الحياة و كيفيّة تحقّقها التكويني بالذات.
و إنّما هو إراءة لظاهرة الحياة، و لجانب سرعة تكوين ما أراد اللّه تكوينه. إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[٢].
قوله: إنّما أمره أي شأنه تعالى في الخلق و التكوين. ففور إرادته تعالى لتكوين شيء، فهو يكون.
فهذا من إراءة مظاهر قدرته تعالى، ممّا لا يخصّ إبراهيم و لا غيره من الأولياء المقرّبين، بل و يعمّ سائر الخلائق أجمعين.
و هذا كما في الإجابة على سؤال موسى عليه السّلام: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي[٣].
فهذه الحجّة على عدم إمكان رؤية اللّه بالبصر، قائمة لكلّ البشر، و لا يخصّ موسى بالذات.
[١] التفسير الكبير ٧: ٤١- ٤٢.
[٢] يس ٣٦: ٨٢.
[٣] الأعراف ٧: ١٤٣.