التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣١ - التجربة الثالثة
يذهب إلى العظم، و الريشة إلى الريشة، و البضعة إلى البضعة، و ذلك بعين خليل اللّه إبراهيم، ثمّ دعاهنّ فأتينه سعيا، يقول: شدّا على أرجلهنّ. و هذا مثل أراه اللّه إبراهيم، يقول: كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث اللّه الناس يوم القيامة من أرباع الأرض و نواحيها[١].
و في هذا الحديث بعض الخلط، حيث خلط بين فرض الحادثة- لتكون مثلا ضربه اللّه لإبراهيم كيف يتصوّر حشر الأموات يوم النشور- و بين تحقّقها عينا، ممّا لا شاهد عليه من القرآن.
*** و احتجّ أبو مسلم- على وجاهة رأيه- بوجوه:
أوّلا: المشهور في اللغة في قوله: فَصُرْهُنَ أملهنّ، و أما التقطيع و الذبح، فليس في الآية ما يدلّ عليه، و من ثمّ كان إدراجه في الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدلّ الدليل عليها، و إنّه لا يجوز.
و قد عمد بعضهم إلى ترجمة فَصُرْهُنَ إلى «قطّعهنّ»[٢]. و لم يأت ذلك في اللغة على ما سنبيّن.
ثانيا: لو كان المراد بصرهنّ: قطّعهنّ، لم يصحّ تعديته بإلى: «صرهنّ إليك». فإنّ هذا المعنى لا يناسبه التعدّي بإلى. لا يقال: قطّعهنّ إليك، و لا معنى لذلك .. و إنّما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان «صرهنّ» بمعنى «أملهنّ».
و زعموا أنّ في الكلام تقديما و تأخيرا، و أنّ التقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ!
لكن التزام التقديم و التأخير من غير دليل، التزام لخلاف الظاهر من غير ضرورة.
ثالثا: الضمير في قوله: ثُمَّ ادْعُهُنَ عائد إلى الطيور بأعيانها، لا بأجزائها، و إذا كانت الأجزاء متفرّقة متباعدة بعضها عن البعض، و كان الموضوع على كلّ جبل بعض تلك الأجزاء، يلزم أن يكون الضمير عائدا إلى تلك الأجزاء، لا إلى أعيان الطيور، و هو خلاف الظاهر.
و أيضا، الضمير في قوله: يَأْتِينَكَ سَعْياً عائد إلى أعيان الطيور، لا إلى أجزائها.
أمّا على قول المشهور- إذا سعى بعض الأجزاء إلى البعض- كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائدا إلى الأجزاء، و كان يجب أن يكون صوغ الكلام هكذا: «يأتين بعضهنّ بعضا».
[١] الدرّ ٢: ٣٥؛ الطبري ٣: ٨١/ ٤٧٠٥.
[٢] نسب ذلك إلى ابن عبّاس و سعيد بن جبير و الحسن. مجمع البيان ٢: ١٧٨.