التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٦ - غرائب آثار
و ترضعه، فبعث إلى دانيال، فقال: ما رأيت في المنام؟ فقال: رأيت كأنّ رأسك من كذا، و رجلك من كذا، و صدرك من كذا! قال: هكذا رأيت، فما ذاك؟ قال: قد ذهب ملكك و أنت مقتول في ثلاثة أيّام، يقتلك رجل من ولد فارس! فقال: إنّ عليّ لسبع مدائن، على باب كل مدينة حرس، و ما رضيت بذلك حتّى وضعت بطّة من نحاس على باب كلّ مدينة، لا يدخل غريب إلّا صاحت عليه حتّى يؤخذ! فقال له: إنّ الأمر كما قلت لك! قال: فبثّ الخيل و قال: لا تلقون أحدا من الخلق إلّا قتلتموه كائنا من كان. و كان دانيال جالسا عنده، و قال: لا تفارقني هذه الثلاثة الأيّام، فإن مضت قتلتك.
فلمّا كان في اليوم الثالث ممسيا أخذه الغمّ، فخرج فتلقّاه غلام كان يخدم ابنا له، من أهل فارس، و هو لا يعلم أنّه من أهل فارس، فدفع إليه سيفه، و قال له: يا غلام لا تلقى أحدا من الخلق إلّا و قتلته، و إن لقيتني أنا فاقتلني، فأخذ الغلام سيفه فضرب به بختنصّر ضربة فقتله.
و خرج إرميا على حماره و معه تين قد تزوّده و شيء من عصير فنظر إلى سباع البرّ و سباع البحر و سباع الجوّ تأكل تلك الجيف[١]، ففكّر في نفسه ساعة ثمّ قال: أنّى يحيي اللّه و قد أكلتها السباع؟ فأماته اللّه مكانه مائة عام ثمّ بعثه أي أحياه، فلمّا رحم اللّه بني إسرائيل و أهلك بختنصّر، ردّ بني إسرائيل إلى الدنيا. و كان عزير لمّا سلّط اللّه بختنصّر على بني إسرائيل، هرب و دخل في عين و غاب فيها، و بقي إرميا ميّتا مائة سنة، ثمّ أحياه اللّه، فأوّل ما أحيا منه عينيه في مثل غرقئ البيض، فنظر فأوحى اللّه إليه: كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثمّ نظر إلى الشمس قد ارتفعت، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فقال اللّه: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغيّر وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، و إلى اللّحم الّذي قد أكلته السباع يتألّف إلى العظام من هنا و هنا، و يلتزق بها حتّى قام و قام حماره، فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».[٢]
[١] و لعلّ في العبارة سقطا: و أنّه رأى جيفا كثرة مطروحة هنا و هناك، و نظر إلى السباع تزدحم على تلك الجيف. و الجيف كانت من بني إسرائيل قتلهم بختنصّر- على ما زعمه واضع الحديث-.
[٢] نور الثقلين ١: ٢٧١- ٢٧٥؛ القميّ ١: ٨٦- ٩١؛ البحار ١٤: ٣٥٦- ٣٦٠/ ١، باب ٢٥؛ البرهان ١: ٥٤٣- ٥٤٦/ ١؛ الصافي ١: ٤٥٠- ٤٥٤؛ كنز الدقائق ٢: ٤٢١- ٤٢٦.