التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٨ - من هذا الذي مر على قرية كانت خاوية؟
و هذا الموت أو الضرب على الآذان هو المراد بالشقّ الثاني من قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها[١]. و البعث هو الإرسال. فإذا كان هذا النوع من الموت يكون بتوفّي النفس أي قبضها، فزواله إنّما يكون بإرسالها و بعثها.
قال: و قد ثبت في هذا الزمان أنّ من الناس من تحفّظ حياته زمنا طويلا يكون فيه فاقد الحسّ و الشعور، و يعبّرون عن ذلك بالسّبات و هو النوم المستغرق، الّذي سمّاه اللّه وفاة. و قد كتب إلى مجلّة المقتطف سائل يقول: إنّه قرأ في بعض التقاويم أنّ امرأة نامت (٥٥٠٠) يوم أي بلياليها، من غير أن تستيقظ ساعة ما في خلال هذه المدّة، و سأل هل هذا صحيح؟ فأجابه أصحاب المجلّة بأنّهم شاهدوا شابّا نام نحو شهر من الزمان، ثمّ أصيب بدخل في عقله. و قرءوا عن أناس ناموا نوما طويلا أكثر من أربعة أشهر و نصف، و استبعدوا أن ينام إنسان مدّة (٥٥٠٠) يوم أي أكثر من (١٥) سنة نوما متواليا. و قالوا: إنّهم لا يكادون يصدّقون ذلك!
نعم، إنّ الأمر غير مألوف، و لكن القادر على حفظ الإنسان أربعة أشهر و نصف و (١٥) سنة، قادر على حفظه مائة سنة، غير محال في نظر العقل.
قال: و لا يشترط عندنا في التسليم بما تواتر به النصّ من آيات اللّه تعالى و أخذها على ظاهرها إلّا أن تكون من الممكنات دون المستحيلات. و إنّما ذكرنا ما وصل إليه علم بعض الناس من هذا السّبات الطويل الّذي لم يعهده أكثرهم، لأجل تقريب إمكان هذه الآية من أذهان الّذين يعسر عليهم التمييز بين ما يستبعد، لأنّه غير مألوف. و ما هو محال لا يقبل الثبوت لذاته[٢]!
*** و هناك من أبهم في الأمر إبهاما، و لم يزد على أنّه كان رجلا من بني إسرائيل.
[٢/ ٧٥٤٨] أخرج ابن جرير عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كان هذا رجلا من بني إسرائيل، نفخ الروح في عينيه[٣]، فنظر إلى خلقه كلّه حين يحييه اللّه، و إلى حماره حين يحييه اللّه[٤].
[١] العنكبوت ٢٩: ٤٢.
[٢] تفسير المنار ٣: ٤٩- ٥٠.
[٣] حسبما ورد في بعض الروايات: أوّل ما خلق منه عيناه.( ابن أبي حاتم ٢: ٥٠٢/ ٢٦٥٤) و سيأتي.
[٤] الطبري ٣: ٥٧- ٥٨/ ٤٦٣٧؛ ابن كثير ١: ٣٢٢، بلفظ:« قال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل»؛ القرطبي ٣:
٢٨٩، بلفظ:« حكى النحّاس و مكّي عن مجاهد أنّه رجل من بني إسرائيل غير مسمّى!».