التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٢ - الذي حاج إبراهيم
طعاما إلى أن يقوم. قال: فأخذت وسادة فأدخلتها مكانها، و انسلّت قليلا قليلا لئلّا توقظه. قال:
فجاءت إلى إحدى الغرارتين[١] ففتقتها، فإذا حوّارى[٢] من النقيّ لم يروا مثله عند أحد قطّ، فأخذت منه فطحنته[٣] و عجنته. فلمّا أتت توقظ إبراهيم جاءته حتّى وضعته بين يديه، فقال: أيّ شيء هذا يا سارة؟ قالت: من جوالقك، لقد جئت و ما عندنا قليل و لا كثير. قال: فذهب ينظر إلى الجوالق الآخر فإذا هو مثله، فعرف من أين ذاك[٤].
[٢/ ٧٥٣٩] و أخرج عبد الرزّاق و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ في العظمة- أيضا- عن زيد بن أسلم، أنّ أوّل جبّار كان في الأرض نمرود، و كان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السّلام يمتار مع من يمتار. فإذا مرّ به ناس قال: من ربّكم؟ قالوا له: أنت.
حتّى مرّ به إبراهيم فقال: من ربّك؟ قال: الّذي يحيي و يميت. قال: أنا أحيي و أميت! قال إبراهيم:
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فردّه بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله، فمرّ على كثيب من رمل أعفر، فقال: أ لا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه فأتى أهله، فوضع متاعه ثمّ نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو بأجود طعام رآه أحد، فصنعت له منه فقرّبته إليه، و كان عهده بأهله أنّه ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟! قالت: من الطعام الّذي جئت به. فعرف أن اللّه رزقه، فحمد اللّه.
ثمّ بعث اللّه إلى الجبّار ملكا أن آمن بي و أنا أتركك على ملكك! فقال نمرود: فهل ربّ غيري؟
فأبى! فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه، ثمّ أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيّام، فجمع الجبّار جموعه، فأمر اللّه الملك ففتح عليه بابا من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها فبعثها اللّه عليهم فأكلت لحومهم و شحومهم و شربت دماءهم، فلم يبق إلّا العظام، و الملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، فبعث اللّه عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة! يضرب رأسه بالمطارق، و أرحم الناس به من جمع يديه ثمّ ضرب بهما رأسه! و كان
[١] الغرارة: الجوالق.
[٢] الحوّارى: الدقيق الأبيض.
[٣] لعلّ واضع الخبر لم يدر أن الحوّارى هو الدقيق، و لا حاجة إلى الطحن!؟
[٤] الطبري ٣: ٣٧- ٣٨/ ٤٥٨٥؛ العظمة ٤: ١٥٠٩- ١٥١١/ ٩٨٥- ١، باب ٣٩.