التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٥٨ الى ٢٦٠
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٨ الى ٢٦٠]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
تجارب ثلاث
هذه الآيات الثلاث تتناول موضوعا واحدا في جملته: سرّ الحياة و الموت، و حقيقة الحياة و الموت. و هي بهذا تؤلّف جانبا من التصوّر الإسلامي، يضاف إلى القواعد الّتي قرّرتها الآيات السابقة، و تتّصل اتّصالا مباشرا بآية الكرسيّ و ما قرّرته من صفات اللّه تعالى. و هي جميعا تمثّل جانبا من جوانب الجهد الطويل المتجلّي في القرآن الكريم لإنشاء التصوّر الصحيح لحقائق هذا الوجود في ضمير المسلم و في إدراكه، الأمر الّذي لا بدّ منه للإقبال على الحياة بعد ذلك إقبالا بصيرا، منبثقا من الرؤية الصحيحة الواضحة، و قائما على أساس اليقين الثابت المطمئنّ. فنظام الحياة و منهج السلوك و قواعد الأخلاق و الآداب، ليست بمعزل عن التصوّر الاعتقادي، بل هي قائمة عليه، مستمدّة منه. و ما يمكن أن تثبت و تستقيم و يكون لها ميزان مستقرّ إلّا أن ترتبط بالعقيدة، و بالتصوّر الشامل لحقيقة هذا الوجود و ارتباطاته بخالقه الّذي وهبه الوجود.