التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٢ - الدين في ذاته يتأبى الإكراه عليه
و في هذا المبدأ بالذات يتجلّى تكريم اللّه للإنسان، و احترام إرادته و فكره و مشاعره، و ترك أمره لنفسه فيما يختصّ بالهدى و الضلال في الاعتقاد، و تحميله تبعة عمله و حساب نفسه. و هذه هي أخصّ خصائص التحرّر الإنساني. التحرّر الّذي تنكّره على الإنسان- في القرن العشرين- مذاهب معتسفة و نظم مذلّلة، لا تسمح لهذا الكائن الّذي كرّمه اللّه- باختياره لعقيدته- أن ينطوي ضميره على تصوّر للحياة غير ما تمليه عليه السلطة الحاكمة[١].
إنّ حرّية الاعتقاد هي أوّل حقوق الإنسان الّتي يثبت له بها وصف «إنسان». فالّذي يسلب إنسانا حرّيّته في الاعتقاد، إنّما يسلبه إنسانيّته الّتي فطره اللّه عليها. لكن ليس معنى حرّيّته في اعتناق عقيدة، حرّيّته في الدعوة- إذا كانت دلائل الضلال عليها لائحة- أو حرّيّته في التلاعب بعقائد الآخرين، أو إيجاد التشويش و البلبلة و الإخلال بالنظام، الأمر الّذي كان يعمله المرجفون و لا يزال، في الأوساط المؤمنة الآمنة المطمئنّة.
الدين في ذاته يتأبّى الإكراه عليه
لا شكّ أنّ الدين، بما أنّه إيمان و عقيدة، فإنّه يستدعي أن يكون الباعث له قدرة بيان و وضوح برهان. و في جوّ هادئ فاره وديع، لا إكراه فيه و لا إرعاب. إنّه اقتناع نفسيّ و عقد قلبيّ، لا بدّ له من قوّة دليل الإقناع، و في ظلّ من التفاهم الحرّ النزيه، لا يعكر صفوه تشويش خاطر و لا بلبلة فكر.
و من ثمّ فليس من طبيعة الدين، إمكان الإكراه عليه.
هذا شيء ينفيه القرآن و أن لا إكراه في الدين، إذ قد تبيّن للناس في فطرهم طريق الرشد و طريق الغيّ: وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها[٢] قد علم كلّ مشربه، الأمر الّذي لاح به الدين في وضح النهار و ليس في ستار من الظلام.
و هذه خصيصة الدين و ميزة شريعة السماء، تتوافق مع الفطرة و تتلاءم مع منهج العقل الرشيد:
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، و ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[٣]. و إن كان أصحاب الشغب الزائفون يحاولون إنكاره، فحسبوا من الدين أفيون الشعوب!!
[١] إشارة إلى الماركسيسيّة و ضغطها على الشعوب حيث حلّت و ارتحلت.( في ظلال القرآن ١: ٤٢٥).
[٢] الشمس ٩١: ٧- ٨.
[٣] الروم ٣٠: ٣٠.