التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٤٦
إلياس و قام شعره، ثمّ رفضه و خرج من عنده، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه و عبد الأوثان.
ثمّ خلف من بعده فيهم اليسع، فكان فيهم ما شاء اللّه أن يكون، ثمّ قبضه اللّه إليه و خلفت فيهم الخلوف و عظمت فيهم الخطايا و عندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر، فيه السكينة و بقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون، و كان لا يلقاهم عدوّ فيقدّمون التابوت و يرجعون به معهم إلّا هزم اللّه ذلك العدوّ، فلمّا عظمت أحداثهم و تركوا عهد اللّه إليهم، نزل بهم عدوّ فخرجوا إليه و أخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثمّ زحفوا به فقوتلوا حتّى استلب من أيديهم، فمرج أمرهم عليهم و وطأهم عدوّهم حتّى أصاب من أبنائهم و نسائهم، و فيهم نبيّ لهم يقال له شمويل[١]، و هو الّذي ذكره اللّه في قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ... فكلّموه و قالوا:
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
و إنّما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك و طاعة الملوك أنبياءهم[٢]، و كان الملك هو يسير بالجموع و النبيّ يقوم له بأمره و يأتيه بالخبر من ربّه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم و تركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقا يكذّبون فلا يقبلون منه شيئا و فريقا يقتلون، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتّى قالوا له:
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فقال لهم: إنّه ليس عندكم وفاء، و لا صدق، و لا رغبة في الجهاد.
فقالوا: إنّا كنّا نهاب الجهاد و نزهد فيه، إنّا كنّا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد فلا يظهر علينا عدوّ، فأمّا إذا بلغ ذلك فإنّه لا بدّ من الجهاد، فنطيع ربّنا في جهاد عدوّنا و نمنع أبناءنا و نساءنا و ذرارينا.
فلمّا قالوا له ذلك سأل اللّه شمويل أن يبعث لهم ملكا. فقال اللّه له: انظر القرن الّذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنشّ الدهن الّذي في القرن- فهو ملك بني إسرائيل- فادهن رأسه منه و ملّكه عليهم، فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلا عليه، و كان طالوت رجلا دبّاغا يعمل الأدم، و كان من سبط بنيامين بن يعقوب، و كان سبط بنيامين سبطا لم يكن فيهم نبوّة و لا ملك، فخرج طالوت في ابتغاء دابّة له أضلّته و معه غلام، فمرّا ببيت النبيّ عليه السّلام، فقال غلام طالوت لطالوت: لو
[١] هو سموئيل.
[٢] لم يكن لهم ملوك إلى ذلك الحين، كما تقدّم.