التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٠ - ملحوظة
و في النهاية يكون الصلاح و الخير و النماء، يكون بقيام الجماعة الخيّرة المهتدية المتجرّدة، تعرف الحقّ الّذي بيّنه اللّه لها، و تعرف طريقها إليه واضحا، و تعرف أنّها مكلّفة بدفع الباطل و إقرار الحقّ في الأرض. و تعرف أن لا نجاة لها من الذلّ و الهوان، إلّا أن تنهض بهذا الدور النبيل، و إلّا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة للّه و ابتغاء لرضاه.
و من هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة باللّه تغلب في النهاية و تنتصر، و ذلك أنّها تمثّل إرادة اللّه العليا في دفع الفساد عن الأرض، و تمكين الصلاح في الحياة. إنّها تنتصر لأنّها تمثّل غاية عليا تستحقّ الانتصار.
قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ و في النهاية يجيء التعقيب بالاستنتاج الحاصل من ذكر قصص السالفين، دليلا على عظيم قدرته تعالى في الخلق و التدبير، و حكمته تعالى البالغة في تسيير الأمور.
نعم تلك الحوادث العظام- الّتي مرّت على الحياة البشرية. في سالف أيّامها و لا تزال تستمرّ عبر الأيّام- لدليل قاطع على أنّ هناك يدا وراء هذا الظاهر، هي الّتي تسيّر الأمور، إن خيرا و إن شرّا وفق ما يعمله الإنسان و يحاول التصرّف على ما يريد.
و في النهاية فإنّ كلّ المحاولة تصبح فاشلة إلّا ما أراده اللّه من الخير و الصلاح، الأمر الّذي يتأصّل في الحياة و يدوم و يكون له البقاء و الخلود.
إذن فتلك آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ تلك الآيات العالية المقام، البعيدة الغايات، نتلوها عليك. فاللّه- سبحانه- هو الّذي يتلوها و هو أمر هائل عظيم حين يتدبّر الإنسان حقيقته العميقة الرهيبة، نتلوها عليك بالحقّ، تحمل معها الحقّ و يتلوها من يملك حقّ تلاوتها و تنزيلها، و جعلها دستورا للعباد. و ليس هذا الحقّ لغير اللّه- سبحانه-. فكلّ من يسنّ للعباد منهجا غيره تعالى فقد جرأ على اللّه و ادّعى ما لا يملكه، مبطل لا يستحقّ أن يطاع، فإنّما يطاع أمر اللّه، و أمر من يهتدي بهدى اللّه، دون سواه.
وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ و من ثمّ نتلو عليك هذه الآيات، و نزوّدك بتجارب البشريّة كلّها في