التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٤٥
لا مفرّ من الموت، لما كان لنا مندوحة عن تفسير إحيائهم، بأنّ الباقين منهم تناسلوا بعد ذلك و كثروا، و كانت الأمّة بهم حيّة عزيزة، ليصحّ أن تكون الآية تمهيدا لما بعدها، مرتبطة به. و اللّه تعالى لا يأمرنا بالقتال لأجل أن نقتل ثمّ يحيينا، بمعنى أنّه يبعث من قتل منّا بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا[١].
*** و لم يرتض سيّدنا العلّامة الطباطبائي هذا التأويل، و عدّه مسربا إلى إنكار المعجزات كما سبق في كلام الفخر الرازي.
قال: و هذا الكلام كما ترى مبنيّ أوّلا على إنكار المعجزات و خوارق العادات أو بعضها، كإحياء الموتى، و قد مرّ إثباتها! على أنّ ظهور القرآن في إثبات خرق العادة بإحياء الموتى و نحو ذلك ممّا لا يمكن إنكاره، و لو لم يسع لنا إثبات صحّته من طريق العقل.
و ثانيا: مبنيّ على دعوى أنّ القرآن يدلّ على امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا. في حين أنّ القرآن يذكر كثيرا من قصص الأنبياء و إحياء الموتى على أيديهم.
و ثالثا: على أنّ الآية لو كانت مسوقة لبيان القصّة لتعرّضت لتعيين القوم و شخص النبيّ، في حين أنّ البلاغة قد تستدعي إهمال جوانب من الكلام، لا فائدة في التعرّض لها.
و رابعا: على أنّ الآية لو لم تحمل على التمثيل، لم ينسجم سياق الآيات، هذا مع العلم أنّ القرآن نزل نجوما و في فترات، و قد لا تكون هناك مناسبة- في الظاهر- بين آية و قريناتها.
قال: فالحقّ أنّ الآية- كما هو ظاهرها- مسوقة لبيان قصّة، لها واقع يستشهد بها، و لا استشهاد بتمثيل لا يعدو تخييلا في واقعه[٢].
قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً
سبق أنّها نزلت بشأن الإنفاق في سبيل اللّه و الجهاد لإعلاء كلمة الإسلام. فكلّ ما ينفقه الباذل في سبيل اللّه، فإنّه إقراض للّه، ليعود عليه بأضعاف مضاعفة. و ذلك على شريطة أنّ الباذل على حسن نيّة و عن طيب نفس، و حينئذ فلا يخشى النفاد، و اللّه- سبحانه- هو الكافل لقسمة الأرزاق،
[١] المنار ٢: ٤٥٨- ٤٥٩.
[٢] الميزان ٢: ٢٩٤- ٢٩٥.