التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)
استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد و التذكير بأنّ الحذر لا يؤخّر الأجل، و أنّ الجبان قد يلقى حتفه في مظنّة النجاة.
و هذه الآية تمهيد للدستور الوارد في قوله تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...، و رجوع إلى قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ[١].
و عليه فموقع قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ...، قبل قوله: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ موقع ذكر الدليل، و إن شئت قلت: موقع تمهيد الأرضيّة لبيان المقصود الأصل، و هذا من أحسن طرق الخطابة: أن تمهّد الأرضيّة قبل الورود في صلب الموضوع، و يكون من قبيل ذكر الدليل قبل بيان المطلوب.
قوله: أَ لَمْ تَرَ ... استفهام تقريريّ فيما لا مجال لإنكاره، ليكون دليلا محرّضا على ما ينبغي الاهتمام به من مقصود الخطاب.
و يبدو من تعبير الآية أنّ هؤلاء الّذين خرجوا من ديارهم، حذر الموت- و هو الطاعون- كما في أكثر الروايات كانوا معروفين عند العرب المخاطبين بهذا الكلام.
[٢/ ٧٢٣٧] و في حديث الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام: أنّهم كانوا أهل مدينة عامرة من مدائن الشام، و كانوا ألوفا، و كان الطاعون يقع فيهم بين آونة و أخرى، فخرجوا منها جميعا هربا من الموت الّذي
[١] البقرة ٢: ٢١٦.