التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٤٠
و هذا من الإرفاق بشأنهنّ، فلا يزعجن بالخروج عمّا ألفن به من الحياة السعيدة، فور فقدان الأزواج.
و الظاهر اختصاص الآية بمن لا ولد لها من الزوج المتوفّى، و إلّا فلها البقاء بحقّ ميراث ولدها من متاع.
على أنّ الأولاد لا يقومون بإزعاج أمّهاتهم فور فوات الآباء، فلا موضع لتوصيتهم بعدم الإخراج.
على أنّ المعهود عند كبر الآباء أن يزوّجهم الأبناء من يكفل أباهم من النساء الأيّمات، و كانوا إذا مات، متّعوهنّ شيئا و يدعوهنّ لشأنهنّ و يخرجونهنّ من البيوت، إذ لا شأن لها عندهنّ بعد فوت الأب.
هذا و قد نهاهم اللّه عن ذلك، و أوصى بهنّ الإمهال لمدّة سنة، ليتمكّنّ من جمع شملهنّ و الإعداد للخروج.
و هذا المعنى للآية، في غنى عن أيّ تقدير، هو خلاف الأصل.
و الآية صريحة في أنّ الّذين يتوفّون منكم- خطاب لأهل الميّت- و يذرون أزواجا- الظاهر:
أن لا علاقة لها تصلها بالأسرة- فعند ذلك يوصي اللّه وصيّة لهنّ- الظاهر في الانتفاع و رفاه الحال بهذه الوصيّة. أمّا القول بأنّها وصيّة بالحداد لمدّة سنة، فهو خلاف ظاهر هذا التعبير الرقيق الرفيق!!
و على هذا فلا منافاة بين هذه الآية و آيتي الميراث و الاعتداد. فلا موجب للقول بالنسخ بعد عدم ضرورة تدعو إليه.
على أنّه لا مجال للنسخ في آيات أحكام نزلت بالمدينة بعد فترة سنوات من الهجرة، إذ كيف يعقل من آية نزلت في أخريات سورة البقرة- حوالي السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة- و كانت تهدف إلى تقرير عادة جاهليّة، لغاية تعديلها، ثمّ نسخها بآية نزلت من ذي قبل؟!
كلّ ذلك خلاف ظاهر تعبير الكتاب. و من ثمّ فالقول بالنسخ هنا مردود من وجوه: خلاف ظاهر التعبير. خلاف الاعتبار العقلاني في تشريع الأحكام. و خلاف الأصل في مسألة النسخ و مسألة التقدير في الكلام من غير ضرورة تدعو إليه.