التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٤٠
و استدلّ أبو مسلم بوجوه: أحدها: أنّ النسخ خلاف الأصل فلا يصار إليه ما أمكن.
الثاني: يجب تأخير الناسخ عن المنسوخ في النزول، و عليه فمن المناسب تأخّر ثبتها في المصحف في الترتيب. أمّا تقدّم الناسخ على المنسوخ في الثبت، فهو و إن كان جائزا في الجملة- و بتقرير من الرسول أحيانا- إلّا أنّه يعدّ من سوء الترتيب، و تنزيه كلام اللّه عنه واجب بقدر الإمكان.
فكان الأولى أن لا يحكم عليها بالنسخ، إذ لا ضرورة تدعو إليه.
الثالث: ثبت في الأصول: أنّه متى وقع التعارض بين النسخ و التخصيص كان التخصيص أولى. و بما أنّ هذا الوجه يخصّص الآية بصورة إيصاء الأزواج لهنّ، كان أولى.
قال الفخر الرازي: و عليه كان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير ضرورة.
و أمّا على قول أبي مسلم فالكلام أظهر؛ لأنّ المشهور يقدّرون الآية: فعليهم وصيّة لأزواجهم أو فليوصوا وصيّة لهنّ، ليكون حكما من اللّه فرضا على الأزواج عند حضور الوفاة.
و أمّا أبو مسلم فيرى تقدير الآية: و الّذين يتوفّون منكم و لهم وصيّة لأزواجهم؛ أو و قد أوصوا وصيّة لأزواجهم، فالوصيّة من الزوج نفسه.
قال: و إذ كان لا بدّ من الإضمار و التقدير، فليس إضمار المشهور أولى من إضمار أبي مسلم.
هذا في حين استلزام إضمار المشهور القول بالنسخ، دون إضمار أبي مسلم، فكان أولى.
قال: و عند هذا يشهد كلّ عقل سليم بأنّ إضمار أبي مسلم أولى من إضمار المشهور، و أنّ الالتزام بالنسخ التزام له من غير دليل. هذا مع ما في قول المشهور من استلزام سوء الترتيب في المصحف الشريف، الأمر الّذي يجب تنزيه كلام اللّه تعالى عنه .. قال: و هذا كلام واضح[١].
*** قلت: و الّذي يترجّح في النظر، و يتوافق مع ظاهر تعبير القرآن، هو قول مجاهد: إنّها توصية من اللّه بشأن المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ، و أنّ لها حقّ الاستمتاع بالبيوت- زيادة على عدّتهنّ أربعة أشهر و عشرا- تمام الحول، إن شاءت تمتّعت بالبقاء و إن شاءت أعفته.
[١] التفسير الكبير ٦: ١٥٨- ١٥٩. و أورده السيّد رشيد رضا في تفسير المنار( ٢: ٤٤٨- ٤٤٩) و الظاهر ارتضاؤه له.